فهرس الكتاب
3-أن بعض العلماء ؛ كشيخ الإسلام - رحمه الله - يخالف في نجاح هذا الخروج ؛ لأن الخارجين كانت عاقبتهم غيرحميدة . قال - رحمه الله -:"وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير ؛ كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة ، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق ، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان ، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا ، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء ."
وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة ، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا ، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وهُزم أصحابهم ، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا ، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا ، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة"."
15-قال الدكتور ( ص 252-263) عن الدولة السعودية الأولى:"لقد عاد الخطاب السياسي الشرعي بعد قيام الدولة الإسلامية الجديدة في نجد إلى مفاهيم الخطاب السياسي المؤول، كما تقرر في كتب الأحكام السلطانية، كمشروعية العهد بالأمر إلى الأبناء كما كان عليه الحال في عصر بني أمية وبني العباس، دون جعل الأمر شورى بين المسلمين كما كان عليه الحال في عصر الخلفاء الراشدين .."
ولو نجح الشيخ في إحياء هذه المفاهيم لكان للدعوة صدى أكبر وأثر أبلغ في تغيير واقع العالم الإسلامي، ولكانت نموذجاً راشدياً يقتدى به ويقتفى أثره. وقد يكون السبب الذي حال دون ذلك هو الظروف التي أحاطت بالدعوة، مع أن الظروف التي أحاطت بالدولة في عصر الخلفاء الراشدين كانت أشد وأقسى ..
ويمكن عزو أسباب عدم التجديد في الخطاب السياسي الشرعي بعد قيام الدولة إلى عدم حاجة المجتمع إلى مثل هذا التجديد آنذاك، بل كانت حاجته إلى إصلاح العقائد، وإقامة الشرائع، وتحقيق الأمن والعدل، فهذا كل ما كان يحتاجه أهل الجزيرة العربية في عصره، إلا أن الدعوة إلى السلفية تقتضي إحياء سنن الخلفاء الراشدين في الحكم وسياسة شئون الأمة، والاقتداء بهديهم، واتباع طريقهم من رد الأمر شورى، والحيلولة دون توريث الإمامة، إذ هو الطريق إلى الاستبداد، ومن ثم السقوط"."
قلت: أولا: الشيخ محمد - رحمه الله - تعامل مع عصره بواقعية وذكاء ، ولم ينسق وراء الخيالات أو الطموحات التي قد تعيق دعوة التوحيد عن الانتشار ، فقدّم المصلحة العليا التي لأجلها بُعثت الرسل - عليهم السلام - على أي أمر آخر لايعدو أن يكون مجرد وسيلة لتحقيق هذه الغاية . لاسيما وهو المحتاج للنُصرة لتبليغ دين الله .
ومع هذا فيذكر المؤرخون أن الشيخ - رحمه الله - كان له النصيب الكبير في تسيير أمور الدولة ، ومن ذلك قول ابن بشر - رحمه الله - في ترجمته:"كان رحمه الله هو الذي يُجهز الجيوش ، ويبعث السرايا ، ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه ، والوفود إليه ، والضيوف عنده ، والداخل والخارج من عنده". وقال عنه ( ص 15 ) :"فكانت الأخماس والزكاة وما يُجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها كلها تدفع إليه بيده، ويضعها حيث شاء، ولا يأخذ عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئاً إلا عن أمره، بيده الحل والعقد والأخذ والعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش، ولا يصدر رأي من محمد وابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه، فلما فتح الله الرياض، واتسعت ناحية الإسلام، وأمِنَت السُّبُل، وانقاد كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز ، وفوّض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها، ولزم العبادة وتعليم العلم، ولكن ما يقطع عبد العزيز أمرًا دونه، ولا ينفذه إلا بإذنه".
ثانيًا: أن عبدالعزيز بن محمد - رحمه الله - كان هو المؤهل للحكم - دينًا وسياسة - ، وهو تلميذ الشيخ النجيب الذي تربى على عينه ، قال عنه ابن بشر:"كان عبد العزيز كثير الخوف من الله والذكر ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، يُنفِّذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيماً إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه، ولا يتصاغر حقيراً ظُلم، فيأخذ له الحق ولو كان بعيد الوطن... وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ويصلي فيه صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية وخصوصًا أهل البلدان ؛ بإعطائهم الأموال وبث الصدقة لفقرائهم ، والدعاء لهم ، والتفحص عن أحوالهم .."