فهرس الكتاب
وهي من أغرب البلاد حقا، ففي الوقت الذي قدمت فيه للبشرية نماذج من العقول الجبارة والأدمغة الكبيرة التي أحلت الحضارة الشرقية محلها الرفيع في أنظار الأوروبيين وغيرهم، وانتزعت اعترافات الجمعيات العلمية الكبرى في العالم الغربي... أقول في الوقت الذي قدمت فيه الهند تلك العقول النيرة والبصائر النافذة التي بهرت البشرية في مختلف مجالات الحياة القديمة والحديثة، نراها قد ضمت أوتضم حتى اليوم العقول المتعفنة، والديانات السخيفة، والمعتقدات الخرافية التي يترفع عنها الإنسان،ويعافها كل ذي ذوق وعاطفة ووجدان، كالبرهمية، والجايناسية، والبوذية والباربسيسية، والسيخية،والمهدوية، والدنيا إلهية، والأغاخانية، والقاديانية، والنيجرية وأمثالها من الأساطير التي تهبط بالإنسان من عليائه إلى أسفل دركات الجهل والضلالة، والغواية والضحالة، فكيف يرضى الإنسان لنفسه أن يعبد البقرة كرب، ويتبرك ببولها فيلوث به جبهته التي هي أشرق مكان في جسمه...؟ وكيف يطيق حرق المرأة حية مع زوجها إذا مات...؟ فأي شريعة سمجة سنت تلك القوانين؟! وأي بشر يدين بها؟! وأتذكر أني قرأت كتاباً لبعض أدباء مصر عن (( الأغاخانية ) )نسيت إسمه وإسم مؤلفه، وقد ذكر فيه أن صلته ب (( أغاخان ) )قد توثقت حتى صار يفضي إليه بكل كبيرة وصغيرة من أصول ديانة أتباعه،ويُجيبه عن كل سؤال يطرحه عليه، وأنه قال له يوما:
أريد أن أسالك عن أمر تهمني معرفته لكنني أخشى أن يغيظك، فوعده بأن لا يغضب مهما كان سؤاله، فقال له: كيف ترضى لأتباعك أن يعبدوك كرب مع ثقافتك العالية وتضلعك في المعرفة؟ فأرخى ربطة عنقه وضحك طويلاً وقال: هذا السؤال الذي خفت أن يغيظني؟ قال: نعم، فقال له: أأنا أفضل أم البقرة؟؟ إن هؤلاء الهنود رضوا بالبقرة ربا فعبدوها وأنا أفضل منها بدون شك!! وإن الإنسان ليأسف حقاًً أن يرى في بني جنسه من هو بهذه الدرجة من الغباء بالنسبة للعابد، ومن الدجل والشعوذة بالنسبة للمعبود!! لقد ملكت الأسرة التيمورية المغولية بلاد الهند زمنا طويلاً، فقد ظهر تيمورلنك التتري وملك الهند في أايام السلطان بايزيد بن مراد الأول آل عثمان الذي توفي في اسر تيمور سنة 805ه، 1402م وحكم العديد من أولاده واحفاده في عواصم مختلفة كما قامت دول شيعية اتخذت لها عواصم اخرى ذكر منها الشيخ عبد العزيز الجواهري ثلاث دول:
1 العادل شاهية في بيجابور.
2 النظام شاهية في احمدنكر.
3 القطب شاهية في كولكندة وحيدر آباد
وكانت في قبال الدول الاسلامية دويلات هندوسية متناثرة في أرجاء تلك البلاد الواسعة.
وقد بدأ الانكليز يفدون على شبه القارة الهندية بعد اكتشاف «رأس الرجاء الصالح » ويفتحون محلات تجارية يتخذون منها ذريعة للتدخل في شؤون البلاد الداخلية، ثم وحدوها في سنة 1009ه، 1600م باسم (( شركة الهند الشرقية الانكليزية للتجارة ) )ورسخت أقدامهم، واستمروا في تزايد وقوة بالتدريج.
وقد امعنوا في إذلال الجنود واحتقارهم لعقائدهم في داخل الثكنات العسكرية، سواء أكانوا من المسلمين أم من الهندوس، ومن أمثلة ذلك البسيطة أنهم كانوا يدهنون الخراطيش بشحم البقروالخنازير، وعندما تتجمد يأمرون الجنود بإزالتها بأسنانهم عمداً، فيتذمرون ويعلنون مخالفة ذلك لعقائدهم الدينية فالبقر محرم عند الهندوس والخنازير محرمة عند المسلمين إلا أن القواد الانجليز كانوا يجبرونهم على الطاعة ويعاقبون المخالفين، فخرج رهط على تنفيذ الأوامر، فأصدرت المحاكم في حقهم أحكاماً قاسية في 15 شهر رمضان سنة 1273 ه، 9 مارس 1857م، فاحتدم الجيش غيظا ووثب الجنود على قوادهم الانكليز فقتلوهم في داخل الثكنات، واندفعوا نحو العاصمة (( دلهي ) )وجرت دماء القوة الانجليزية التي حالت دون وصولهم أنهارا، وقام أحرار الهند من المسلمين والهنادك بثورة عارمة، فألحقوا بالانكليز خسائر فادحة في الأرواح، لكن الانكليز انتصروا على الثورة وفعلوا بالثوار ما لا يتصوره العقل من وحشية وجرائم أدت إلى براءة الكثير من عقلائهم مما حصل.