فهرس الكتاب
لو كان اليهود قد ذبحوه شخصياً بقطع حلقومه أو رأسه لكنه أغمي عليه ونجى بعد ذلك. ثم قال شخص بأن اليهود (ما ذبحوه و ما قتلوه و لكن شبه لهم) لما كان كلامه صحيحا لأن الحقيقة ستكون وقتها هي أنهم (ذبحوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه) . و إذا كان المخبر صادقا بقوله (ما ذبحوه و ما قتلوه و لكن شبه لهم) فإن أي عاقل سيعلم بأنهم إما قد ذبحوا غيره و ظنوه المسيح عليه السلام أو ادعوا أنه المسيح. أو أنهم لم يذبحوا أحداً أصلاً و ادعى البعض بأنهم ذبحوا المسيح عليه السلام. هذا الإفتراض سقته لتقريب الموضوع إلى الأذهان باستخدام وسيلة أخرى للقتل هي الذبح بدلاً من الصلب.
و هذا دليل عقلي لا يحتاج لغيره. فكيف إذا وجد مرجع تاريخي هام كإنجيل برنابا - على حد وصف الغلام نفسه - أو إنجيل توما ليؤكد بأن عيسى عليه السلام لم يوضع على الصليب قط. و أنا لا أجزم هنا بصحة قصة برنابا أو قصة توما لأن القرآن و السنةلم يحددا كيفية نجاة المسيح عليه السلام. بل نفيا أن يكون المسيح عليه السلام قد صلب أو قتل. و لكننا نستأنس بهذه الشهادة التاريخية التي نفت حدوث عملية الصلب للنبي نفسه. و إنجيل برنابا هو الإنجيل المتبقي الوحيد الذي يذكر نبينا (محمد) صلى الله عليه و سلم باسمه و بأنه (آخر الأنبياء) مما يؤكد بأن إنجيل برنابا هو أقل الأناجيل الموجودة تعرضاً للتحريف.
و كما قلت سابقاً فإن لجوءنا العقلي لهذا التفسير (أي قتل شبيه للمسيح) هو فقط في حال ثبت صحة الإدعاء بأن اليهود كانوا قد صلبوا شخصاً ما و حسبوه المسيح عليه السلام. فقد يكون الواقع شيئاً آخر. و هذا كله غيب لا نقطع به بدون خبر ثابت عن الله تعالى. لكن لنا أن نحلله حسب المعلومات المتوفرة. أما إن كان اليهود قد شبهوا للناس بأنهم قد قتلوا المسيح عليه السلام إما باختلاق القصة أو بصلب شخص آخر و الإدعاء بأنه المسيح عليه السلام - إن كان هذا هو ما حدث - فإنه أيضاً يوافق إخبار الله عنهم بأنهم ما صلبوا المسيح عليه السلام و ما قتلوه و لكن شبه لهم.
و يعترض القاديانيون مرة أخرى فيدّعون أن قصة تعليق المسيح عليه السلام على الصليب حقيقة تاريخية متواترة و لا يجوز إنكارها. لكن الناظر إلى الوثائق التاريخية لا يجد أي دليل تاريخي موثوق يؤكد قصة وضع المسيح عليه السلام على الصليب. لكنه سيجد في كتب التاريخ و كتب النصارى أنفسهم تأكيدات بأن كثيراً من الطوائف النصرانية ظلت تعتقد طوال القرون الأولى بأن المسيح عليه السلام لم يعلق على الصليب قط.
فمثلاً يقول القديس الفونسوس ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الأول قول فلوري: (( إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود ) ). و يقول المفسر جون فنتون شارح إنجيل متى: (( إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلاً من يسوع ) ).
و قد ظهرت كثير من الفرق المسيحية - بين عهد المسيح عليه السلام و ظهور الإسلام - التي كانت تنكر حدوث عملية الصلب تلك. و من تلك الفرق: الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والدوسيتية والمارسيونية والفلنطانيائية والهرمسيون. و من أهم الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون؛ الذين نقل عنهم كل من"سيوس"والمفسر"جورج سايل"القول بنجاة المسيح، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي.
ومن الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلاً عنه: الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون. يقول جورج سايل (( إن السيرنثيين والكربوكراتيين، وهما من أقدم فرق النصارى، قالوا: إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل، وإنما صلب واحد من تلاميذه، يشبهه شبهاً تاماً، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصاً آخر صلب بدلاً من المسيح. ) )
وثمة فِرق نصرانية أخرى قالت بأن المسيح عليه السلام نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية.
وقد استمر إنكار صلب المسيح لاحقاً أيضاً، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (560م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (610م) وغيرهم.
نائب الفاعل في الآية (و لكن شبه لهم)
في نقاشي مع بعض القاديانيين حول معنى الفعل (صلَبَ) إعترض أحدهم قائلاً: (( إسناد الفعل(شُبِّهَ) إلى الرجل الشبيه المصلوب غير جائز )).
أقول: هذا الإعتراض صحيح، لكننا لا نقول بأن نائب الفاعل هو الرجل المصلوب أو (الشبيه) ، فنائب الفاعل محذوف في الجملة و يمكن تقديره بعدة تقديرات. و أرجح تقديره كالآتي (شبه لهم الأمر) . فالأمر هو نائب الفاعل. و هذه الجملة تشمل كل نظريات نجاة المسيح عليه السلام.
و يمكن تقدير نائب الفاعل بالجملة المحذوفة (أنهم قتلوه و صلبوه هو) . فتكون الجملة (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه هو و صلبوه هو) .