فهرس الكتاب

الصفحة 15899 من 27364

فمن كان متمسكا بدينه فهو"المتعصب""ضيق الأفق"الذى يفرق بين البشر على أساس الدين ، ولا يتسع قلبه"للإنسانية"فيتعامل معها بلا حواجز في القلب أو في الفكر أو في السلوك !

أو قل على وجه التحديد إن الذين يحاربون اليوم بدعوى"الإنسانية"هم المسلمون !

يحاربون بها من طريقين ، أو من أجل هدفين: الهدف الأول هو إزالة استعلاء المسلم الحق بإيمانه ، الناشئ من إحساسه بالتميز عن الجاهلية المحيطة به في كل الأرض ، لكى تنبهم شخصيته وتتميع ؛ والهدف الثانى هو إزالة روح الجهاد من قلبه .. ليطمئن الأعداء ويستريحوا !!

فى الهدف الأول المستشرق النمساوى المعاصر"فون جرونيباوم Von G r unebaum"فى كتاب له يسمى"الإسلام الحديث"" (1) "Mode r n Islam"إن الحاجز الذى يحجز المسلم عن"التغريب Weste r nization"هو استعلاؤه بإيمانه ، وإنه لابد من تحطيم ذلك الحاجز لكى تتم عملية التغريب!"

أرأيت ! إنه هدف مقصود لذاته .. ألا يشعر المسلم بالاستعلاء بالإيمان ! يراد له أن تذوب شخصيته وتتميع ، ولا تكون لها تلك السمة المميزة التى أرادها الله:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة 2/143]

إن أعداء الإسلام لن يستريحوا حتى يزيلوا ذلك التميز الذى يحسه المؤمن:

{وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا} [سورة البقرة 2/217]

وتلك قضية قديمة عمرها الآن أكثر من أربعة عشر قرنا .. أى منذ وجد المجتمع الإسلامى في المدينة .. ولكن وسائل القتال تتغير ، ومن بينها اليوم ما نسميه"الغزو الفكرى"ومن بين الغزو الفكرى هذه الدعوى .. دعوى الإنسانية !

فباسم الإنسانية يقال للمسلم الحق: يا أخى لا تعتزل الناس ! إن الإنسانية كلها أسرة واحدة ، فتعامل مع الأسرة كفرد منها ، ولا تميز نفسك عنها ! وشارك في النشاط"الإنسانى"و مظاهر الحضارة"الإنسانية"!

ولا نقول لهؤلاء: هل تعاملون أنتم المسلمين كأفراد من أسرتكم"الإنسانية""العالمية"فتعطونهم حقهم بوصفهم أفرادا في تلك الأسرة ، فلا تطاردونهم ، ولا تنبذونهم ، ولا تتعصبون ضدهم ، ولا تتجمعون على أذاهم ؟!

لا نقول لهم ذلك لأنه لا فائدة من جدالهم . ولكن نقول"شهد شاهد من أهلها"فهو غير متهم فيما يشهد به ! ذلك هو"توينبى"المؤرخ المعاصر المشهور ، وتعصبه ضد الإسلام والمسلمين أمر كذلك مشهور!

يقول في محاضرة له باسم الإسلام والغرب والمستقبل بعد أن قسم العالم تجاه عملية"التغريب"إلى متحمسين بغير عقل" (2) "، ومقلدين بلا تحفظ ، وبعد أن امتدح حركة كمال أتاتورك المقلدة للغرب:

"ويجب على المراقب الغربى أن يراعى حدود اللياقة ولا يسخر"" (3) "لأن ما يحاول (المقلدون) الأتراك القيام به هو تغيير وطنهم ومواطنيهم مما هم فيه إلى حالة كنا نحن منذ التقاء الغرب بالإسلام ننتقدهم لعدم وجودها طبيعة فيهم . وها هم حاولوا - ولو متأخرين - إقامة صورة طبق الأصل لدولة غربية وشعب غربى .

"وعندما ندرك تماما هدفهم الذى رموا إليه لا نستطيع إلا التساؤل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقا الجهد الذى بذلوه في صراعهم لبلوغه"" (4) "؟!

(1) ""لا يتسع المجال هنا للتعليق على عنوان الكتاب الذى يقصد به أن الإسلام ليس شيئا ثابتا محدد المعالم ، وإنما هو شئ دائم التغير ! فالإسلام الأول شئ ، وإسلام القرون الوسطى (وهذا عنوان كتاب آخر لنفس المؤلف) شئ آخر ، والإسلام الحديث شئ ثالث ! وهذه القضية ذاتها من وسائل الحرب التى يستخدمها المستشرقون ضد الإسلام !

(2) ""يقصد بهم - بصفة خاصة - المسلمين المحافظين على إسلامهم .

(3) ""هذا اعتراف من المؤلف بأن الغربيين يسخرون من الأتراك بعد أن تغربوا وتركوا إسلامهم !

(4) ""لاحظ سخرية المؤلف بالأتراك ، مع أنه ينصح الغربيين بعدم السخرية بهم !

"من المؤكد أننا لم نكن نحب التركى التقليدى المسلم الذى كان يثير حنقنا عندما ينظر إلينا من عل على أانا فريسيون زناديق ! ويحمد الله على أنه لم يجعله مثلنا . وبما أن التركى التقليدى القديم كان يعتبر نفسه من طينة خاصة ، حاولنا أن نحط من كبريائه بتصوير هذه الطينة الخاصة شيئا ممقوتا وسميناه"التركى النكرة".. إلى أن استطعنا أخيرا أن نحطم سلاحه النفسى وحرضناه على القيام بهذه الثورة (المقلدة) التى استهلكها الآن أمام أعيننا .." (1) "."

"والآن ، وبعد أن تغير التركى بتحريضنا ورقابتنا ، وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلا لنا ، وللشعوب الغربية من حوله ، الآن نحس نحن بالضيق والحرج ، بل ونميل إلى الشعور بالسخط والحنق ، تماما كما شعر صموئيل عندما اعترف بنو إسرائيل بفظاظة غايتهم ورغبوا في وجود ملك .."

"لذلك فإن شكوانا الجديدة من الأتراك في هذا الظرف أمر أقل ما يقال فيه إنه غير لائق" (2) "، وبإمكان التركى أن يجيبنا أنه مهما فعل فهو مخطئ في نظرنا .."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت