فهرس الكتاب
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) } [سورة آل 3/14-17]
وحين تصل النفس إلى هذه الرقعة فإنها لا تعود تستنكر القيد الربانى وتسعى إلى التفلت منه ، بل تحس أنه القيد الذى يمنح الإنسان الحرية اللائقة به .. حرية الإنسان . وتعود تنفر من ذلك الهبوط الذى كانت تتشهاه من قبل ، وتلمس فيه القيود الكريهة التى لم تكن تراها من قبل .. قيود الحيوان .. وعندئذ تقبل النفس على الله راضية بعبادته وحده دون سواه .
وأما الطغاة الذين يستعبدون الناس في الأرض ، ويصنعون من أنفسهم أربابا مع الله أو من دون الله ، ويسوقون الناس إلى الشرك في نهاية المطاف ، فالوحى الربانى يجند النفوس المؤمنة لجهادهم وإجلائهم من الأرض على أساس من إخلاص العبادة لله ، ذلك الإخلاص الذى يتضمن الاعتقاد اليقينى في القلب بوحدانية الله ، والتوجه بالشعائر التعبدية لله وحده ، وتحكيم شريعة الله وحدها ، ورفض أى شريعة أخرى لم يأذن بها الله .
وبهذه الوسائل كلها مجتمعة تفئ الفطرة إلى سوائها ، وتعود إلى صفائها ، ويصبح الإنسان في أحسن تقويم ..
ولقد كانت"مؤهلات"الشرك كلها قائمة في الجاهلية المعاصرة منذ"النهضة الأوروبية"إلى اليوم ، مما ران على القلوب من غفلة ، ومن الهبوط الذى يعطل أجهزة الإيمان بما لا تدركه الحواس ، ومن الهبوط الخلقى واتباع الشهوات ، ومن تحكيم غير شريعة الله .
ولكن لأمر ما لم تؤد هذه"المؤهلات"بأوروبا إلى الشرك - كما كان شأنها في الجاهليات السابقة - ولكنها أدت بها إلى الإلحاد !
ولابد من وقفة دراسة هذا الأمر الذى لا مثيل له من قبل في كل جاهليات التاريخ .
الكنيسة الأوروبية - بحماقاتها - هى المسؤول الأول عن ذلك ولا شك .
فهذه الحماقات هى التى أدت إلى جعل العلم بديلا من الدين ، وجعل السبب الظاهر بديلا من السبب الحقيقى ، وجعل الطبيعة بديلا من الله ..
فالعلم - في وضعه الطبيعى - ليس بديلا من الدين ! إنما هو نافذة من نوافذ المعرفة التى تؤدى في النهاية إلى المعرفة الحقة بالله ، ومن ثم إلى إخلاص العبادة له ، حين يدرك العقل البشرى عظمة الخلق ويطلع على أسراره العجيبة التى تحير الألباب:
{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر 35/28]
وحين قالت أوروبا أن الدين قد أخلى مكانه للعلم وإن العلم هو البديل من الدين ، لم تكن تتحدث عن حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة .. إنما كانت تتحدث عن"واقع"حدث في أوروبا بسبب حماقة الكنيسة حين حاربت ا لعلم والعلماء ، وخيرتهم بين اتباع الخرافة للمحافظة على"الدين"- دينها الذى ابتدعته وشكلته على حسب أهوائها - وبين اتباع العلم والخروج من الدين . وقد اختار العلماء اتباع العلم لأنهم يعرفون قدره ، ويعلمون أنه أحق بالاتباع من الخرافة . فلما طردتهم الكنيسة من"الدين"كان العلم - بالنسبة إليهم - هو البديل من الدين . لا لأنه في الحقيقة بديل عنه ، ولا لأنه بطبيعته يغنى عنه ، ولكن لأن حماقة الكنيسة وضعت الأمور في هذا الوضع .
واسبب الظاهر ليس بديلا عن السبب الحقيقى ، لأنه يفسر فقط كيف تحدث الأشياء على النحو الذى تحدث به ، ولكنه با يفسر لماذا كانت الأشياء على هذا النحو !
فقانون السببية مثلا يفسر كيف يتحول الماء إلى بخار بالتسخين ، ولكنه لا يفسر لماذا كان التسخين يحول الماء إلى بخار ! فلولا أن الله خلق الماء على النحو الذى يجعله التسخين يتحول إلى بخار ما تحول !
بعبارة أخرى: إن العلم بخواص المادة يفسر لنا الظواهر التى تحدث في عالم المادة ، ولكنه لا يفسر لماذا كانت المادة بهذه الصورة وبهذه الخواص . ذلك أن هذه الصورة ليست هى الصورة الوحيدة الممكنة عقلا .. بل هى إحدى الصور الممكنة ، وقد كان يمكن - لو أراد الله - أن تكون على صورة أخرى وذات خواص مختلفة . فالذى جعلها على هذه الصورة ، وأعطاها هذه الخواص هو مشيئة لله وحدها . وهذا هو السبب الحقيقى الذى لا يغنى عنه معرفة السبب الظاهر ، وإلى ذلك تشير سورة الواقعة: