فهرس الكتاب
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) } [سورة الواقعة 56/58-70]
وحين قال علمءا أوروبا في عصر النهضة وما بعده إن السب الظاهر بديل من السبب الغيبى ، أو من"الطبيعة"بديل عما"وراء الطبيعة"لم يكن ذلك حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة .. إنما كان"واقعا"عاشته أوروبا بسبب حماقة الكنيسة ، التى كانت تمنعهم - أو لا تتيح لهم - أن يبحثوا عن السبب الظاهر ، وتبرز لهم السبب الغيبى وحده مع إبقائهم في ظلمات الجهل ، فلما اكتشفوا السبب الظاهر ، وانبهروا"بالعلم"الذى كشف لهم - عن طريق معرفة السبب الظاهر - آفاقا لم يكونوا يعرفونها من قبل ، كان الأمر الواقع بالنسبة إليهم أن السبب الظاهر هو الذى علمهم ؛ ومن ثم كان وضع السبب الظاهر بديلا من السبب الغبيى هو الأنسب لهم والأكسب ! فقالوا قولتهم من واقعهم الضيق الذى عاشوه ، وخيل إليهم في بهرة"العلم"أن ما يقولونه هو الصواب !
وحين جعلت أوروبا الطبعة بديلا من الله لم يكن ذلك - كما بينا في فصول الكتاب الأولى - إلا مهربا من إله الكنيسة الذى تستعبد الناس باسمه وتفرض عليهم الإتاوات والعشور ، والخضوع المذل لرجال الدين ، مع محاربة العلم ، والحجر على حرية الفكر ، ومع الوقوف الظالم مع رجال الإقطاع ضد المطالبين بالإصلاح .. ولم يكن قط حقيقة علمية ، وإن بلغ الحمق"بالعلماء"أن يصدقوا الخرافة ، ويقدموها على الحقيقة ، ويصنعوا ذلك باسم"العلم"!
ولكن هذا كله على أى حال كان إلحاد"العلماء"و"الفلاسفة"و"المفكرين".. أما الجماهير فكانت ما تزال تؤمن"بالدين". ولا نتعرض هنا لما كان في ذلك الدين الذى آمنت به الجماهير من تحريف وتشويه وخرافة .. وإنما نتحدث عنه باعتبار أنه"دين"يحوى علىاقل تقدير إيمانا بوجود الله وإيمانا بالوحى ، وإيمانا باليوم الآخر ، في مقابل"اللادين".. في مقابل الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله ، وإنكار الوحى ، وإنكار اليوم الآخر ..
كيف انتقلت الجماهير من الدين إلى اللادين ؟
الكنيسة هى المسئول الأول ما تزال ..
والفتنة بالعلم من الأسباب ..
والعودة إلى"الحضارة الإغريقية"أو بالأحرى"الجاهلية"الإغريقية الوثنية هى كذلك من الأسباب ، فقد كانت تلك الجاهلية بالذات تصور العلاقة بين الإنسان والآلهة علاقة صراع وخصام متبادل . الآلهة تريد أن تقهر الإنسان وتستذله ، وتتشفى في كل مصيبة يقع فيها ، والإنسان يريد أن يلقى عنه نير الآلهة وينطلق بفاعليته دون قيود" (1) ".
والعودة إلى"الحضارة"الرومانية أو بالأحرى"الجاهلية"الرومانية هى كذلك من الأسبابا ، فقد كانت تلك الجاهلية بالذات تزين للإنسان لذائذ الحس ، والفتنة بها إلى حد الاستغراق مع كل ما تبدعه في الأرض من رقى مادى وتنظيم .
ولكن هذه الأسباب كلها مجتمعة كان يمكن أن تؤدى إلى الشرك - كما أدت إليه في كل جاهلية سابقة - ولم يكن من الضرورى - ولا من الطبيعى - أن تؤدى إلى الإلحاد بين الجماهير ..
إنما الى نشر الإلحاد في الأرض - تأسيسا على هذه الأسباب كلها ، واستغلالا لها - كانوا هم اليهود !
كتب اليهود فى"البروتوكولات"" (2) "أنهم سينشرون الإلحاد في الأرض .. وقد نشروه بالفعل ..
(1) ""راجع أسطورة"بروميثيوس"سارق النار المقدسة ، وانظر ان شئت ملخصا لها في كتاب"قبسات من الرسول".
(2) ""بعض الذين يتمسكون"بالمنهج العلمى"يشككون في حجية كتاب"البروتوكولات"كوثيقة ، ويضعون في الاحتمال أن يكون بعض الناس قد تقولوا عليهم ما جاء في البروتوكولات . ونحن لا نقطع بصحة الكتاب من الناحية الوثائقية البحتة ، ولكن ذلك - في نظرنا - لا يؤثر في صدق ما جاء في ثنايا الكتاب ! لأنه سواء كان هذا الكلام كلام اليهود بالفعل أو كلام إنسان أتيح له أن يطلع على فكر اليهود ويترجمه في هذه الصورة ، فإن كل ما جاء فيه قد نفذ بالفعل ! جاء فيه أنهم سينشرون الإلحاد ونشروه . وجاء فيه أنهم سينشرون الشيوعية ونشروها . وجاء فيه أنهم سيضحكون على الأمميين بشعار الحرية والإخاء والمساواة وضحكوا بالفعل . فسواء كان هذا كلامهم أو كان ترجمة أفكارهم فالنتيجة الأخيرة واحدة: أن هذه مخططاتهم وقد نفذوها بالفعل في غفلة من الأمميين !