فهرس الكتاب

الصفحة 15917 من 27364

"ما طبيعة العالم ؟ وما مادته وما صورته ؟ وما مكوناته وهيكله ؟ وما مواده الأولى وقوانينه ؟ وما المادة في كيفها الباطن وفى جوهر وجودها الغامض ؟ وما العقل ؟ أهو على الدوام متميز عن المادة وذو سلطان عليها ؟ أم هو أحد مشتقات المادة وعبد لها ؟ أيكون كلا العالمين: الخارجى الذى ندركه بالحس والباطنى الذى نحسه في الشعور ، عرضة لقوانين ميكانيكية أو حتمية كما قال الشاعر"ما يكتبه الخالق في مطلع النهار نقرؤه في آخر النهار"؟ أم ثمة في المادة ، أو في العقل ، أو في كليهما ، عنصر من الاتفاق والتلقائية والحرية ؟ .. هذه أسئلة يسألها قلة من الناس ، ويجيب عليها جميع الناس . وهى منابع فلسفاتنا الأخيرة ، التى يجب أن يعتمد عليها في نهاية الأمر كل شئ آخر ، وفى نظام متماسك من الفكر .. إننا نؤثر معرفة الإجابات عن هذه الأسئلة على امتلاك سائر خيرات الأرض ."

"ولنسلم أنفسنا في الحال لإخفاق ما مناص منه . لا لأن هذا الباب من الفلسفة يحتاج في إتقانه إلى معرفة كاملة ومناسبة بالرياضيات والفلك والطبيعة والكيمياء والميكانيكا وعلم الحياة وعلم النفس فقط ، بل لأنه ليس من المعقول أن نتوقع من الجزء أن يفهم الكل .. فهذه النظرة الكلية - وهى فتنتنا في هذه المغامرات اللطيفة - ستبعد عن فكرنا جميع الفخاخ والمفاتن . ويكفى أن نأخذ أنفسنا بقليل من التواضع وشئ من الأمانة ، لنتأكد أن الحياة في غاية من التعقيد والدقة بحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكهما . وأكبر الظن أن أكثر نظرياتنا تبجيلا قد يكون موضع السخرية والأسف عند الآلهة العليمة بكل شئ" (1) ". فكل ما نستطيع أن نفعله هو أن نفخر باكتشاف مهاوى جهلنا ! وكلما كثر علمنا قلت معرفتنا ، لأن كل خطوة نتقدمها تكشف عن غوامض جديدة ، وشكوك جديدة ."فالجزئ"يتكشف عن"الذرة"والذرة عن الإلكترون (الكهرب) والإلكترون عن الكوانتوم"Quantum" (الكويمية) . ويتحدى الكوانتوم سائر مقولاتنا"Catego r ies"وقوانينا وينطوى عليهما . والتعليم تجديد فىالعقائد وتقدم في الشك ، وآلاتنا كما ترى مرتبطة بالمادة وحواسنا بالعقل .. وفى خلال هذا الضباب يجب علينا نحن"الزغب"على الماء ، أن نفهم البحر !" (2) ""

وعن تقلب"العلم"يقول:

"إلى أى نجم بعيد ذهبت نظريتنا السديمية المشهورة ؟ هل يؤيدها علم الفلك الحديث أو يسخر من وجهها المغبر ؟"

"وأين ذهبت قوانين نيوتن العظيم حين قلب أينشتين وميكوفسكى وغيرهما الكون راسا على عقب بمذهب النسبية غير المفهوم ؟"

"وأين مكان نظرية عدم فناء المادة وبقاء الطاقة في الفيزيقا المعاصرة ، وما يكتنفها من فوضى وتنازع ؟"

"وأين إقليدس المسكين اليوم ، وهو أعظم مؤلف لمراجع العلمية ، ليرى كيف يصوغ الرياضيون لنا أبعادا جديدة بحسب أهوائهم ، ويبتدعون لا متناهيات يحتوى أحدهما الآخر كجزء منه ، ويثبتون في الفيزيقيا - والسياسة كذلك - أن الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين ؟!"

"وأين علم الأجنة ليرى أن"البيئة الناشئة"تحل محل"الوراثة"التى كانت إله العلم" (3) "؟ وأين"جوريجورى"و"مندل"الآن ليشهدا انصراف علماء الوراثة عن"وحدة الصفات"؟ وأين"داروين"الهدام الدقيق ليرى كيف حلت طريقة"التغيرات السريعة"محل"الاختلافات الذاتية والمتصلة"فى التطور ؟ وهل هذه التغيرات هى الثمرة المشروعة لاختلاط الهجائن ؟ وهل نضطر إلى الرجوع في تفسيرنا للتطور إلى الوراء عند نظرية"انتقال الصفات المكتسبة"؟ أنجد أنفسنا وقد عدنا مرة أخرى أكثر من قرن إلى الماضى نعانق رقبة زرافة"لامارك"؟"

"وماذا نصنع اليوم بمعمل الأستاذ فونط"Wundt"وباختبارات"استانلى هول"حين لا يستطيع أى عالم نفسانى من اتباع السلوكيين أن يكتب صحيفة واحدة في علم النفس الحديث دون أن يلقى بمخلفات أسلافه في الهواء ؟!"

"وأين علم التاريخ الحديث اليوم حيث يضع كل عالم في تاريخ قدماء المصريين كشفا بالأسرات وتواريخها على هواه ، ولا يختلف عن كشوف غيره إلا ببضعة آلاف من السنين ؟! ويحث يسخر علماء الأجناس من"تيلور"و"وستر مارك"و"سبنسر"؟ وحيث يجهل"فريزر"كل شئ عن"الدين البدائى"لأنه قد رحل إلى العالم الآخر ؟!"

فماذا أصاب علومنا ؟ هل فقدت فجأة قداستها وما فيها من حقائق أزلية ؟ أيمكن أن تكون"قوانين الطبيعة"ليست سوى فروض إنسانية ؟ ألم يعد هناك يقين أو استقرار في العلم ؟" (4) ".

وعن"حقيقة"المادة يقول:

(1) ""انظر أثر الجاهلية الإغريقية في انحرافات الفكر الغربى .

(2) ""ص 61 - 62 من الترجمة العربية"ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الاهوانى".

(3) ""انظر إلى أثر الجاهلية الإغريقية مرة أخرى .

(4) ""ص 23 - 24 من الترجمة العربة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت