فهرس الكتاب

الصفحة 15918 من 27364

"وأول شئ نكشفه هو أن المادة القديمة غير المتحركة التى وصفتها طبيعيات القرن التاسع عشر قد ذهبت . وكانت"مادة"تندال وهكسلى غير فاسدة . فهى تقعد وتنام أنى وضعتها ، كذلك الصبى البدين في قصة"أوراق بكويك"" (1) "وهى تقاوم بكل ما فيها من وقار الحجم والثقل كل جهد لتحريكها ، أو لتغيير وجهة حركتها متى أخذت في الحركة . وبين"برجسون"فى يسر شديد أن مادة في مثل هذا الخمود لا يمكن أبدا أن تفسر الحركة ، ومن باب أولى لا تحدث الحياة والعقل . ولكن رجال الطبيعة مع ذلك ، كما كتب برجسون ، كانوا في سبيلهم إلى هجر تصور المادة خامدة ،وإلى الكشف فيها عن حيوية لا ريب فيها . فهذه مثلا الكهرباء لا يمكن تفسيرها في صيغ من الخمود والذرات . فما هذه القوة الخفية التى تضاف إلى الكتلة فتزيد في طاقتها ولكنها لا تضيف شيئا إلى أبعادها وثقلها ؟ وكيف تسرى الشحنة الكهربية في سلك أو الهواء اللاسلكى ؟ أهى شئ يتحرك في تلك الموجات الكهربية التى تكاد تبلغ في سرعتها سرعة الضوء نفسه ؟ أهى الذرات ؟ أو"الأثير"أو لا شئ ؟ وفى أشعة إكس ، عندما تمر شرارة كهربية في فراغ باعثة أشعة تنفذ من جدران الأنبوبة وتغير من اللوح الحساس كيميائيا ، فما هذا الذى يمر خلال الفراغ أو الجدران ؟ وعندما بدت المادة نشيطة لا تفرغ ، كما هو الحال في الراديوم ، وبدت الذرات (التى لا يمكن أن تنقسم) منقسمة إلى ما لا نهاية ، وأصبحت كل ذرة نظاما كوكبيا من الشحنات الكهربية تدور حول شئ لا يزيد جوهره عن شحنة كهربية أخرى .. فأى مأزق وقعت المادة فيه حين فقدت كتلتها ووزنها وطولها وعرضها وعمقها وعدم قابليتها للنفاذ ، وسائر تلك الخصائص الثقيلة التى ظفرت باحترام كل مفكر واقعى ؟ أكان الخمود أسطورة ؟ أيمكن أن تكون المادة حية ؟" (2) ""

"لقد كانت هناك دلائل من قبل على وجود هذه الطاقة في المادة . فالتماسك والتآلف ، والتنافر ، كانت توحى بها . ويبدو اليوم من المحتمل أن تكون هذه الصفات وكذلك الكهربية والمغناطيسية صورا من"الطاقة الذرية"وهى ظواهر ترجع إلى حركة الإلكترونات الدائبة في الذرة .. ولكن ، ما الإلكترون ؟ أهو جزء من"المادة"يظهر في ثوب من الطاقة ؟ أو هو مقدار من الطاقة منفصل تمام الانفصال عن أى جوهر مادى ؟ ولا يمكن أن نتصور الفرض الأخير ! ويقول ليبون"قد يمكن ولا ريب لعقل أسمى من عقلنا أن يتصور الطاقة بغير مادة .. ولكن مثل هذا التصور في غير مقدورنا . فنحنن لا نستطيع أن نفهم الأشياء إلا بوضعها في الإطار المشترك لأفكارنا . ولما كانت ماهية الطاقة مجهولة فنحن مضطرون إلى صوغها صياغة مادية حتى نفكر فيها". فنحن كما يقول برجسون ماديون بالطبع ، فقد ألفنا التعامل مع المادة والأمور الميكانيكية . ولذا لم ننصرف عنها كى ننظر في أنفسنا فإننا نتصور كل شئ كآلة مادية . ومع ذلك فإن أوستولد"Ostwald"يصف المادة على أنها صورة من الطاقة وحسب . ويرد رذرفورد الذرة إلى وحدات الكهرباء الموجبة والسالبة . ويعتقد لودج أن الإلكترون لا يشتمل على نواة مادية أكثر من شحنته . ويقول ليبون ببساطة:"المادة صورة مختلفة من الطاقة"ويقول ج . ب . س . هالدين:"يعتبر بعض الناس من أقدر المفكرين في العالم اليوم المادة كمجرد ضرب خاص من الاضطراب التموجى". ويقول إدنجتون:"إن المادة مركبة من بروتونات وإلكترونات ، أى شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء . فاللوح هو في الحقيقة مكان فارغ مشتمل على شحنات كهربية مبعثرة هنا وهناك". ويقول هواريتهيد:"إن مفهوم الكتلة في طريقه إلى فقدان امتيازه الوحيد ، باعتبارها المقدار الواحد الدائم في النهاية .. فالكتلة الآن اسم لكمية من الطاقة في علاقتها ببعض آثارها الديناميكية". وإلى هذه المرتبة لاوضيعة سقط الجبار ورجعنا إلى بوسكوفيتش"Boscovich"" (3) "الجزويتى القديم ، إلى تلك العبارة غير المفهومة: من أن المادة التى تشغل"المكان"مركبة من نقط لا وجود لها ! وفى ذلك يقول نيتشه:"لقد كان بوسكوفتش وكوبرنيق حتى الآن أعظم خصمين وأكثرهما نجاحا في دحض شهادة العيان". فلا غرابة أن يستنتج ديوى أن"مفهوم المادة الذى يوجد بالفعل في تطبيق العلم لا يمت بصلة إلى مادة الماديين"!"

(1) ""قصة مشهورة لشارل ديكنز ، وكان مستر بكويك بطل القصة"المترجم".

(2) ""انظر المحاولة الملتوية للتخلص من التحدى القائم في نشأة الحياة من الموات ، وهو التحدى الذى يؤدى - فطرة - إلى الإيمان بالله .

(3) ""فيلسوف يوغسلافى من دلماشيا أذاع في بلاده فلسفة نيوتن"المترجم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت