فهرس الكتاب

الصفحة 15919 من 27364

"أيمكن أن يكون شئ أكثر غموضا وغرابة من هذا القول الذى يقوله علماء الطبيعة من أن"المادة"بمعنى"الجوهر المتحيز""Spatial"قد بطلت عن الوجود ؟ فهم يقولون إن الإلكترونات ليس فيها شئ من خصائص المادة ، فهى ليست صلبة ، ولا سائلة ، ولا غازية ، وهى ليست كتلة ، أو صورة ، وانحلالها إلى نشاط إشعاعى يلقى شكوكا على أعز عقيدة في العلم الييدث ، أى عدم قابلية المادة للفناء ..ولنسمع رأى أحد علماء الطبيعة مرة أخرى"إن عناصر الذرات التى تنحل تفنى تماما ، فهى تفقد كل صفة للمادة ، بما في ذلك الثقل وهو أكثر صفاتها أساسية . ذلك أن الميزتان يعجز عن وزنها ولا شئ يستطيع أن يعيدها إلى حالة المادة ، فقد اختفت في عظمة الأثير .. والحرارة والكهرباء والضوء إلى غير ذلك .. تمثل آخر مراحل المادة قبل اختفائها في الأثير .. والمادة التى تنحل تخرج عن ماديتها بمرورها في حالات متتابعة تنتزع منها تدريجيا صفاتها المادية ، حتى تعود في النهاية إلى الأثير الذى لا يمكن وزنه ، ذلك الأثير الذى يبدو أنها نشأت عنه .

"الأثير ؟ .. ولكن ما هو الأثير ؟ لا أحد يعرف ! ليس الثير فيما يقول لورد سالسبورى إلا اسما على الفعل"يتموج"والأثير خرافة ابتدعت لإخفاء الجهل المثقف للعلم الحديث . فهو غامض غموض الشبح أو الروح ! وافترض أينشتين وجود الأثير حين أعاد تفسير الجاذبية ، وعزم أخيرا أن يدخره إلى حين مع تحديد سلطانه ! وكلما يعجز عالم من علماء الطبيعة ويتحير يقول:"الأثير"!"

"ويقول الأستاذ إدنجتون أحدث حجة في هذا الموضوع:"لسي الأثير نوعا من المادة ، فهو لا مادى .

"ومعنى ذلك أن شيئا لا ماديا يحيل نفسه إلى مادة بوساطة بعض الالتواءات"Conto r tions" (دوامات Vo r tices"كما سماها كيلفن) ويصبح ذلك الذى لم يكن له بعد أو ثقل ، بإضافة أجزاء منه بعضا إلى بعض ، مادة متحيزة ،ويمكن أن توزن . أهو اللاهوت قد أعيد ؟ أم هو علم مسيحى جديد ؟ أم هو صورة من البحث العلمى ؟ وفى الوقت الذى يحاول علم النفس بكل سبيل أن يتخلص من"الشعور"حتى يرد"العقل"للمادة"يأسف علم الطبيعة في تقريره أنا لمادة لا توجد ! ولقد قال نيوتن متعجبا:"أيتها الطبيعة احفظينى مما بعد الطبيعة"الميتافيزيقا". فيا للأسف لن تقدر الطبيعة أن تفعل أكثر من ذلك !

"يقول برتراندرسل:"يقترب علم الطبيعة من المرحلة التى يبلغ فيها الكمال"وجميع الدلائل تدل على العكس من ذلك .. أما هنرى بوانكاريه فيرى أن علم الطبيعة الحديث في حالة من الفوضى ، فهو يعيد بناء جميع أسسه ، وفى أثناء ذلك لا يكاد يعرف أين يقف . وقد تغيرت الأفكار الأساسية عن الطبيعة تغيرا تاما في العشرين السنة الأخيرة فيما يختص بالمادة والحركة كلتيهما . ولم تسمح أعمال كورى ورذرفورد وسدى وأينشتين ومينكوفسكى لأى تصور قديم عن الطبيعة النيوتونية بالبقاء . وكان لابلاس يحسد نيوتن لأنه كشف النظام الوحيد للعالم وحزن على عدم وجود نظم أخرى تكشف ! ولكن عالم نيوتن قد انتحى اليوم جانبا . ولم يعد التثاقل"G r avitation"مسألة جاذبية"Att r action"وتمزقت"قوانين"الحركة في كل جهة بنظرية النسبية . وقد كانت الفلسفة تبحث ذات يوم فى"الأشباح"والمجردات ، وكان العلم يبحث فى"المادة"و"المحسوس"و"الحقائق الواقعة". أما الآن فلعم الطبيعة مجموعة مستورة"Esote r ic"من القوانين المجردة ."وفكرة المادة مفقودة بالكلية في الدوائر العلمية"" (1) ". كان على الفلسفة أن تتنحى جانبا _ولا يزال بعض الناس يتوقعون موتها خلال خمسين عاما) أما العلم فعليه أن يحل مشكلاتنا . والآن في الوقت الذى يحمل رجل الشارع العلم والعلماء جميع أفكار الإلهام واليقين التى كانت متصلة ذات يوم بالإنجيل والكنيسة" (2) "، يقال لنا في تواضع إن:"البحث العلمى لا يفضى إلى معرفة طبيعة الأشياء الباطنة"" (3) " (ص 68 - 73 من الترجمة العربية) ."

وأما السيطرة - أو قل العجز - فقد تحدثنا عنه في إحدى فقرات هذا الفصل ، وبينا أنه عجز دائم أصيل لا يؤثر فيه ولا ينقص منه هذا القدر من السيطرة الذى يحققه الإنسان " بالعلم""والتكنولوجيا " وإن فتت الذرة وأطلق طاقتها ، وإن ركب الصواريخ وطاف بها في أرجاء الكون ، لأن الذى يرغب فيه الإنسان ، ويحس بالعجز عن تحقيقه هو أمر بالنسبة إليه مستحيل التحقيق: أن يسيطر سيطرة كاملة على الكون . أن يقول للشئ كن فيكون . أن يخلد في الأرض . أن يعلم الغيب . وبعض هذه كان من المغريات التى أغرى بها الشيطان آدم منذ بدء الخليقة:

{وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ (20) } [سورة الأعراف 7/20]

(1) ""ادنجتون ص 274 .

(2) ""يقصد الدين .

(3) ""ادنجتون ص 303 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت