فهرس الكتاب

الصفحة 15920 من 27364

ومن هنا فإن الشعور بالعجز شعور دائم ملازم للإنسان في كل أحواله وفى جميع أوضاعه . وليس إنسان العصر الحديث ناجيا منه حتى يقول جوليان هكسلى إنه قد آن للإنسان أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله ، ومن ثم يصبح هو الله:

{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [سورة الروم 30/7]

ونحب أن نضيف إلى ذلك أن الإنسان السوى يعلم أن ما يحققه من تسخير طاقات السماوات والأرض ليس"اغتصابا"من الإله كما تصور ذلك الأساطير الإغريقية المجنونة ، حتى يكون مبررا للخروج على طاعة الله ، بل التبجح بإنكار وجود الله كما تفعل الجاهلية المعاصرة ، إنما هو من قدر الله للإنسان ، ومن رحمة الله بالإنسان ، ومن فضل اله على الإنسان ، لأنه هو الذى سخره ابتداء للإنسان ، ثم أعانه على تحقيقه:

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]

{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة البقرة 2/31]

{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) } [سورة النحل 16/78]

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [سورة الملك 67/15]

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [سورة إبراهيم 14/32-34]

وأخيرا ، فنحن نزعم أن الدين من الفطرة ، وهم يزعمون أنه طلل بال ينبغى أن تزال آثاره ، ليحل محله"العلم"و"الإلحاد".

ونحن نستشهد عليهم من أنفسهم كما أشرنا من قبل .

نستشهد عليهم برائد الفضاء الأول"يورى جاجارين"الذى قال بعد هبوطه من الفضاء في المؤتمر الصحفى العالمى الذى أعد لاستقباله:"حين صعدت إلى الفضاء أخذتنى روعة الكون فمضيت أبحث عن الله"!

ولا عبرة"بالتصحيح"الذى أضافته ادولة على تصريحه أو أمرته أن يضيفه ، فقال:

"فمضيت أبحث عن الله فلم أجده"!

إنه تمحل واضح ..

ولا يمكن أن يكون"جاجارين"قد قاله ابتداء ! فما الذى يجعله يتحدث عن الله ابتداء إذا كان قصده هو النفى ، ولا أحد من الحاضرين قد أثار القضية حتى يتعرض لنفيها ؟! إنما المعقول أن يكون ذكره لله ابتداء للإثبات لا للنفى . لإثبات استجابة"الفطرة"الطبيعية لعظمة الكون وروعته حين رآه لأول مرة من خارج الغلاف الجوى ، فرآه في صورة مختلفة عما تبلد عليه حسه بحكم الألف والعادة .. فاتجهت الفطرة اتجاها تلقائيا إلى فاطر السماوات والأرض ، رغم كل"الإلحاد"الذى صبته الدولة في قلبه وفكره منذ مولده إلى لحظة انطلاقه في الفضاء !

وهى شهادة"أفلتت"من المعسكر الملحد بغير قصد منه ولا تدبير:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة فصلت 41/53]

ونستشهد عليهم بما يقوله"علماء"من علمائهم ، تربوا فى"الإلحاد العلمى"! فألجأهم"العلم"ذاته إلى الإيمان بوجود الله ، ونكتفى بهذه المقتطفات من كتاب"العلم يدعو للإيمان"" (1) "وكتاب"الله يتجلى في عصر العلم"" (2) "فهى تغنينا عن المزيد .

يقول"أ . كريسى موريسون"رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك:

"فى خليط الخلق قد أتيح لكثير من المخلوقات أن تبدى درجة علية من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندرى .. فالدبور مثلا يصيد الجندب النطاط ، ويحفر حفرة في الأرض ، ويخز الجندب في المكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه ، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ . وأنثى الدبور تضع بيضا في المكان المناسب بالضبط ، ولعلها لا تدرى أن صغارها حين تفقس يمكنها أن تتغذى دون أن تقتل الحشرة التى هى غذاؤها فيكون ذلك خطرا على وجودها . ولابد أن يكون الدبور قد فعل ذلك من البداية وكرره دائما ، وإلا ما بقيت زنابير على وجه الأرض .. والعلم لا يجد تفسيرا لهذه الظاهرة الخفية ؛ ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة !"

(1) ""تأليف كريسى مويسون ترجمة محمود صالح الفكلى .

(2) ""تأليف جماعة من العلماء ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت