فهرس الكتاب
وحصلت اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا واعطيت فلسطين لليهود بوعد بلفور وكان الجزاء الجميل للشريف حسين أن نفته بريطانيا ست سنوات وسلبت ملكه، ولقد كانت الصدمة عنيفة لأعصاب الشريف حتى داهمه الفالج وذاب جسده حسرة وألما وكان يصب جام غضبه طيلة حياته على مكماهون ولويد جورج - الوزير البريطاني المعروف. يقول جورج انطونيوس (1) [يقظة العرب 275] . (لقد زرته قبل موته بأشهر سنة 1931م وقد قلصه الفالج وابيض وجهه الوسيم من شحوب الموت ... فقال لي: الانجليز يا ولدي قوم شرفاء، في أقوالهم وأفعالهم، في السراء والضراء، أقول: شرفاء، ماعدا صاحب السعادة الموقر الهمام لويد جورج فهو أشبه بالبهلوان وبالثعلب. أقول: ثعلب، حاشا مقامك رحم الله صاحب السعادة كتشنر) . كانت هذه النتيجة الأسيفة الأليمة للتعاون مع الانجليز وصدق الله العظيم (يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) (1) [آل عمران: 149-150] . ولقد حذر بعض الصادقين العقلاء الشريف حسين من مغبة غدر الانجليز ومن هذه الفاجعة المتوقعة فقد كتب شكيب أرسلان (2) [الإسلام والحضارة الغربية ص228] . إلى الشريف عندما بلغه عزم الشريف لغزو سوريا مع جيوش الحلفاء قائلا أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير، حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم استيلاء انجلترا على جزيرة العرب وفرنسا على سوريا واليهود على فلسطين). يقول لورنس في أعمدة الحكمة السبعة (لقد كنت أعلم اننا اذا كسبنا الحرب فإن عهودنا للعرب ستصبح أوراقا ميتة ولو كنت ناصحا شريفا للعرب لنصحتهم بالعودة إلى بيوتهم. لقد كان قادة الحركة العربية يفهمون السياسة الخارجية فهما عشائريا بدويا وكان البريطانيون والفرنسيون يقومون بمناورات جريئة اعتمادا على سذاجة العرب وصعفهم وبساطة قلوبهم وتفكيرهم ولهم ثقة بالعدو... إنني أكثر ما أكون فخرا أن الدم الانجليزي لم يسفك في المعارك الثلاثين التي خضتها لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت انجليزي واحد) ويقول وايزمان (لقد قدم لنا لورنس خدمات جليلة) هذا هو لورنس الذي كانوا يسمونه - ملك العرب غير المتوج. وصلت جمعية الاتحاد والترقي الى الحكم واستراحت من الغول الرهيب الذي طالما أقض مضجعها وأرق أجفانها (عبدالحميد) وأصبحت تركيا الاسلامية دمية في يد اليهودية تحركها كيف شاءت وأنى ارادت. وأصبحت مقاطعاتها حمى مستباحا للذئاب الغربية من اعداء الاسلام وأصبح هذا المارد الجبار (الدولة العثمانية) يؤكل شلوا شلوا وكما قال الشاعر: رب في الفناء علوا وسفلا واراني أموت عضوا فعضوا فابتلع الغرب أولا دول البلقان النمسا والمجر والبوسنة والهرسك في تشرين الأول سنة 1908 (أي بعد تسلم الاتحاد والترقي) زمام الامور وبعد اعلان الدستور بشهرين فقط وانفصلت بلغاريا واعتدت ايطاليا على ليبيا في خريف سنة 1911 ثم نشبت الحرب البلقانية سنة 1912، وفي هذه السنوات القلية فقدت الدولة العثمانية جميع ولاياتها في اوربا (ماعدا تراقيا الشرقية) (1) [انظر يقظة العرب لجورج انطونيوس ص 181] . وفقدت ذلك الجزء من ليبيا الذي يتألف من ولايتي طرابلس الغرب وبني غازي - بعد - لقد انسحبت تركيا من ليبيا بمؤامرة خيانية مكشوفه لا تخفى على كل ذي عينين ولا يفوتنا أن نذكر أن اليهود الايطاليين هم اساتذة المحافل الماسونية في سالونيك وفي بيوت هولاء اليهود الايطاليين كانت تعقد اجتماعات جمعية الاتحاد والترقي فليس كبيرا أن تعطي جمعية الاتحاد والترقي ليبيا هدية متواضعة الى ايطاليا كرد جميل على صنيعهم السابق الكبير. وفضلا عن هذه الخسارة فقدت كريت وكانت ميزانية تركيا تنوء بأعباء النفقاتالعسكرية. القومية بعد الحرب الاولى تعتبر وقفة العرب بجانب الحلفاء ضد تركيا المسلمة نقطة تحول كبرى في الفكر القومي والتجمع على اساس القومية. اذ لم يكن الانجليز يحلمون في يوم من الأيام أن يقف العرب بجانبهم ككفار ضد بني دينهم وعقيدتهم. يقول لورنس (1) [مجلة المجتمع العدد 433 سنة 1979/20فبراير] . ( رجل المخابرات البريطاني وملك الصحراء العربية كما يسمونه ) : (وأخذت افكر طيلة الطريق إلى سوريا وأتساءل هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني المعتقدات الدينية؟ وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والالهام وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني) . ويعتبر الغرب هذا الموقف نقطة تحول الى مرحلة جديدة في التفكير القومي. كتبت الايكونومست في حزيران سنة 1962 تحت عنوان (الاسلام ضد القومية ) (1) [الشعوبية الجديدة لمحمد مصطفى رمضان ص 54] . مايلي: (لقد وضع العرب منذ الحرب العالمية الأولى القومية في المكان الأول حين قاتلوا بجانب الانجليز الكفار - من أجل التحرر من المسلمين الأتراك. وباستثناء البقية الهزيلة من الاخوان المسلمين فليس هناك في العالم العربي اليوم اناس ذوو تفكير سياسي يضعون مجتمع الدول الاسلامية فوق قوميتهم العربية)