فهرس الكتاب
وللأهمية هذه السطحية وتلك الظاهرية عند هؤلاء الكتاب، وأولئك المفكرين والرجوع عنها بعد حين، والاقتناع بفشلها وسقوطها بعد زمن، والاعتراف بجدوى وواقعية الطرح الإسلامي، لكن بعد ماذا.... بعد سنوات من الشتات، وبعد سنين من ضياع الجهود وهدر طاقات الأمة، والنتيجة أن سيطر الأعداء على الأمة الإسلامية، واحتل الغاصبون أراضي المسلمين ليست هي أولى جنايتهم، بل سبق أن جنوا وجاروا، وسبق أن تبنوا جريرة مثلها، كتبنيهم مبدأ القومية العربية، وجنايتهم على سياسة الأمة بهذا المبدأ.
فبعد سنين من الجعجعة لم ير العرب طحناً، وبعد أن هدأ الغبار لم تر الأمة العربية فرساً، بل شاهدوا حماراً هزيلاً ومتعباً ومنهكاً، لكنه في الحال نفسه صبوراً على هؤلاء الكتاب وأولئك المفكرين الذين أثاروا الغبار في وجوه الناس، وجعجعوا مع زعماء القومية؛ وفي النهاية ذموها، واعترفوا بعدم جدواها وعدم فاعليتها في بناء أمة واحدة، ونهضة قوية، وحضارة فاعلة، وتبرؤوا منها ومن زعمائها لكن متى؟ وبعد ماذا؟
وسبب عدم جدوى هذا المبدأ، وعلة عدم صلاحيته أنه مبني على أساس هش لا يمكن بناء تجمع متماسك عليه.
وعلى أرضية لينة لا يمكن لأمة الوقوف والمشي فيها، أو عليها.
وسبب الهشاشة، وعلة الليونة مخالفتها لدستور هذه الأمة، فقد حرم هذا الدستور التجمع على أساس قومي أو عرقي، أو لغوي، وحذر من مغبة ذلك، وبيَّن أن نهايته الفشل، ونتيجته التنازع، وعاقبته الفرقة، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [الممتحنة: 1] .
فقد بيَّن الله أن نتيجة التجمع على أساس قومي على حساب الدين الإسلامي هو ضلال السبيل.
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] .
فقد بيَّن الله - سبحانه وتعالى - أن العرب كانوا متفرقين وأعداءً فاجتمعوا على مبدأ الدين، لا على مبدأ الجنس، والعرق، واللغة، وإنهم استبدلوا الشتات بالتجمع، والفرقة بالوحدة بعد أن اهتدوا، وآمنوا، واتقوا.
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .
فمن التنازع والفشل تفريق الأمة الإسلامية على أساس قومي وعرقي ولغوي.
بعد هذه السنوات العجاف من المخالفة الصريحة من قدماء القومية العربية لأهمِّ أساس يجمع المتشتت، ويوحد المتفرق، يعترف أولئك الكتاب بفشل تجربتهم في إيجاد وحدة متماسكة قوية سياسيًّا واقتصاديًّا، وتكشف كتاباتهم بعد ذلك مقاصد زعماء القومية الشخصية، وتكشف مزاعمهم ودعاويهم.
من ذلك مؤلف لأحد هؤلاء القوميين باللغة الإنجليزية (!؟) عنوانه «ينابيع الذاكرة» .
قام قومي آخر بعمل عرض للكتاب والإشادة به في"صحيفة الشرق الأوسط"، وأشار إلى أفضل ما فيه،حيث قال:"لابد لي أن أبدأ بالزعم أن لي بعض الفضل في خروج هذا الكتاب بقلم الصديق الزميل عيسى القرق - سفير الإمارات في لندن - إلى الناس... قد لا يجد الكهول أمثالي في تجربة عيسى القومية/ الناصرية الجديد."
كنا جميعاً ذات يوم ذلك الرجل، وأصيب بعضنا - بعد زوال الوهج - بفقدان الذاكرة،إلا أن الشباب من القراء سوف يتذوقون نكهة التيار القومي العارم الذي كان يلف العالم العربي بأسره، حتى في منطقة الخليج،حيث كانت بريطانيا - أو الدولة البهية القيصرية الانكليس - تصول وتجول، وتحكم بأمرها، وبوحي مصالحها، على أن الكتاب إذا كان لا يضيف جديداً إلى معارف الكهول عن عبد الناصر وفترته، فإنه يروي واقعة غريبة جديدة تفتح المجال أمام أسئلة مثيرة تستحق بعض الاهتمام من المؤرخين.
يروي لنا عيسى أن عبد الناصر سأل حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم - رحمهما الله - عند لقائهما في القاهرة سنة 1959م عن الإدارة الحكومية في دبي؟
ردَّ الشيخ راشد قائلاً بأن كل الخدمات الرئيسية تدار بمعرفة مسئولين بريطانيين. كان جواب عبد الناصر - كما يرويه عيسى - مفاجأة غريبة:"أشكرك لأنك أخبرتني الحقيقة".