فهرس الكتاب

الصفحة 16063 من 27364

وفي المدونة قال (19) :"إذا ارتد رجل انقطعت العصمة بينه وبين امرأته ساعة ارتد"أي أنه يرى الردة مفرقة بين الزوجين دون الحاجة إلى حكم قضائي بالتفريق.

ثم قال -رحمه الله-:"إذا ارتد الزوج كانت تطليقة بائنة لا يكون للزوج عليه رجعة إن أسلم في عدتها" (20) .

أما تعليلات العلايلي وتأسيساته فهي مجانبة للصواب، وذلك للأسباب التالية:-

أولاً: يقول العلايلي: إن القول بعدم حلية الزواج بين كتابي ومسلمة هو نوع من الإجماع المتأخر الذي لا ينهض حجة.

هذا الكلام غير مسلم به؛ لأن الإجماع على حرمة تزويج المسلمة من كتابي هو من إجماع السلف وخير القرون، يقول شيخ الإسلام:"وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم ولا يتزوج الكافر المسلمة" (21) ومعلوم أن اتفاق المجتهدين من أمة صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي حجة قاطعة وهو محل اتفاق جمهور الفقهاء وعلماء الأصول، وأن ما يُبنى عليه من حكم يجب اتباعه ولا تجوز مخالفته، فإذا انعقد الإجماع على واقعة -كحرمة زواج الكتابي من مسلمة- فهو حجة قطعية يجب العمل به، وتحرم مخالفته، وتصبح المسألة المجتهد فيها قطعية الحكم، لا تصلح بعدها أن تكون محل النزاع، وليس للمجتهدين في عصر تال أن يجعلوا هذه الواقعة موضع اجتهاد، لأن الحكم الثابت بالإجماع حكم شرعي قطعي لا مجال لمخالفته، ولا لنسخه.

وعليه: فإن تأثير الإجماع هو رفع الحكم من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع ؛ أي أن يثبت المراد به على سبيل اليقين بأن يكون موجباً للحكم قطعاً كالكتاب والسنة وهو قول عامة المسلمين وجمهور العلماء (22) .

ثانياً: خالف العلايلي إجماع العلماء في تأويل قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) ، فادعى أنها لا تقوم حجة على حرمة زواج الكتابي من مسلمة، ويعلل ذلك أن الشرك والكفر لا يشملان أهل الكتاب.

هذا التعليل من الشيخ باطل وغير مسلم به ؛ لأن العلماء بينوا أن النصوص لا تفرق بينهم لأن ملة الكفر واحدة، يقول قتادة والزهري في قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) : أي لا يحل لك أن تنكح يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً من غير أهل دينك (23) ، وهذا يدل على أنه لا خلاف أن المراد بالشرك هنا الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفر (24) .

كما أن العلماء لم يفرقوا بين كافر ومشرك وكتابي، واعتبروا أن الجميع ينطبق عليه لفظ الشرك فيحرم تزويجهم بالمسلمة.

وهذا ما أكده الفخر الرازي حيث قال:"اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب، فأنكر بعضهم ذلك، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب، وهو المختار" (25) ثم استدل لذلك بأدلة كثيرة منها: قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) وقوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ثم قال في آخر الآية (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله) : وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك (26) . لذلك حرم الله تعالى على المؤمنات أن يتزوجن مشركاً من أي أصناف الشرك، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، عابد وثن أو مجوسياً، أو من غيرهم من أصناف الشرك، وعلى هذا انعقد إجماع علماء الأمة وقد فصله الشيخ أبو زهرة فقال:"اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج غير مسلم، سواء أكان مشركاً أم كتابياً، وقد ثبت ذلك التحريم بنص القرآن والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنَّ حلٌ لهم ولا هم يحلون لهن) ."

أما السنة فقد وردت الآثار الصحاح عن السلف الصالح أنهم كانوا يفرقون بين النصراني وزوجه إذا أسلمت، روي أن رجلاً من بني ثعلبة أسلمت زوجه وأبى هو أن يُسلم ففرق عمر رضي الله عنه بينهما، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها فهي أملك لنفسها"وبهذا استفاضت الأخبار عن أصحاب الرسو صلى الله عليه وسلم ما بنوا عليه حكمهم.

وقد انعقد إجماعهم على ذلك فكان ذلك ثابتاً بالإجماع، مع أن نص القرآن حجة قاطعة لا مجال للشك فيها" (27) لذلك كان زواج المسلمة بغير المسلم باطلاً حراماً بإجماع المسلمين."

ثالثاً: يعلل العلايلي فتواه أنها إذا رُفضت ومُنع زواج الكتابي من مسلمة سيؤول إلى مشكلة وطنية، أو عقبة دون التآخي الوطني !

وهذا التعليل: هو تعد على الأصول العقائدية، وتلاعب بالمفاهيم الشرعية، وتعطيل للشريعة الإسلامية باسم التآخي الوطني، وكيف تقوم العائلة بزواج المسلمة من غير مسلم، وكيف تكون القوامة والولاية له وتستقيم قواعد الإرث... وغيرها ؟

كما أن إباحة زواج الكتابي من المسلمة لا يلزم منه بالضرورة الانصهار الوطني الذي جعله الشيخ من أساسات وغايات اجتهاده المصادم للنصوص القاطعة والإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت