فهرس الكتاب

الصفحة 16110 من 27364

كان الرسو صلى الله عليه وسلم يريد العمرة، وكان هذا هو الحدث الذي يريد صناعته، فلم يخرج لحرب أو قتال فخرج ومعه المسلمون وقد ساقوا الهدي، وأحرموا من الميقات، ليعلم الناس أنه خرج من بلده، زائرا للبيت الحرام ومعظما له؛ حتى إذا بلغ عسفان لقيه بشر بن سفيان ( وقد كان الرسو صلى الله عليه وسلم قد أرسله عينا له يأتيه بخبرهم) فقال: يا رسول الله إن قريشا قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل (1) ، وقد لبست جلود النمور استعدادا لحربك وقتالك، وقد عاهدت الله أن لا تدخلها عليهم أبدا ، ولما لم يكن الحرب والقتال هو الحدث الذي يريده الرسو صلى الله عليه وسلم بل العمرة، فإن هذا الكلام لم يستفزه ويخرجه عن مقصده ويجعله يغير وجهته، أو يتخذ قرارا مناقضا لمقصده ، لا تدعو إليه ضرورة أو حاجة ، بل بين له أنه لم يأت إلا لزيارة البيت ، ثم حاول أن يتلافى الالتقاء في الطريق مع قريش، فقال لأصحابه: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها، فسلك بهم رجل طريقا وعرا في سكة تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية أسفل مكة، فلما سلكوا في ثنية المرار بركت ناقة الرسو صلى الله عليه وسلم ، عندئذ أدرك الرسو صلى الله عليه وسلم أن حابس الفيل قد حبسها، وأن هذا أمر قد قدره الله تعالى، لذا عزم على القبول بأي خطة يطلبها المشركون يعظمون فيها حرمات الله ، وجاءه هناك بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من قومه، فكلموه، فبين لهم الرسو صلى الله عليه وسلم وجهته ووضح لهم أمره، وأخبرهم أنه لم يأت لقتال ولا يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، كما قال لبشر بن سفيان من قبل، وهكذا قال لمكرز بن حفص لما جاءه من بعده ، وهو r في كل ذلك يبين أمره ويفصح عن مقصده، لعل ذلك يبلغ قريشا فيعرفون وجهته ولا يتعرضون له، أو يعترضون طريقه، وقد سنحت لرسول ا صلى الله عليه وسلم فرصة عظيمة، فلم يكن لمثله وهو الذي أوتي الحكمة وهو الهادي إلى صراط مستقيم أن تفته، فقد أرسلت قريشا الحليس بن علقمة سيد الأحابيش، فلما رآه الرسو صلى الله عليه وسلم مقبلا قال لأصحابه: إن هذا من قوم يتألهون (1) فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده رجع إلى قريش ولما يصل إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى، وقال:"سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت" (2) فقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظما له، والذي نفس الحليس بيده: لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، وهنا يكون التدخل في صناعة حدث الآخر قد بلغ أقصاه، إذ استطاع رسول ا صلى الله عليه وسلم بهذا التدخل أن يجعل أحد قيادات المسكر المناوئ له نصيرا، حتى كاد أن يشق صف التحالف، ثم آل الأمر بعد ذلك بين الرسو صلى الله عليه وسلم وبين المشركين إلى الصلح ، ولو استقبله الرسو صلى الله عليه وسلم بغير ذلك كأن يجعل الصحابة يشهرون أسلحتهم من السيوف والرماح ونحوها، فربما رجع إلى قومه وقال لهم: استعدوا للقتال، فالرسو صلى الله عليه وسلم كي يصنع الحدث"الاعتمار"قام بما يلي:

1-الإعلان الواضح عن المقصد وبث ذلك بين الناس الذين يمكن أن يبلغوا قريشا ذلك.

2-ساق الهدي الذي هو دليل واضح على المراد وعلى تعظيم البيت.

3-تدخل في تصرفات المعسكر المناوئ حتى ضم الحليس إلى صفه،ففرق بذلك صفهم، أو كاد.

وفي الجهة المقابلة فقد صنعت قريش بتهورها حدثا معاكسا لما تريده، فهي قد اجتمعت وتحالفت مع غيرها من أجل صد الرسو صلى الله عليه وسلم ومن معه، لكنها لما تهورت في الرد على سيد الأحابيش وكلمته بكلام خشن لا يناسب مقامه، وقالوا له بطيشهم ونزقهم وعدم تقديرهم للمواقف:"اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك"أوشك ذلك أن ينقلب عليهم ويفك تحالفه معهم على ما تقدم ذكره، وقد جاء عروة بن مسعود الثقفي يريد أن يخوف رسول ا صلى الله عليه وسلم ومن معه ويخذلهم عن مقصدهم فقال لهم:"هذه قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله على أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله لكأني بهولاء قد انكشفوا عنك غدا، فهو يريد أن يصد المسلمين عن مقصدهم ويحطم معنوياتهم، فعظم لهم من قوة قريش، ومن تصميمها على صدهم، ثم حاول التخذيل والتخويف بأن المسلمين قد ينفضون عن الرسو صلى الله عليه وسلم ولا يصمدون في المنازلات عندما تشتعل الحرب، بل يفرون، ولكن معرفة الرسو صلى الله عليه وسلم بأقدار الرجال الذين معه وقدرتهم على الصمود في المواقف الصعبة، مما أفشل صناعة الحدث الذي يريده مسعود الثقفي."

• ثمامة بن أثال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت