فهرس الكتاب
3-الإعلام القوي الذي يبين القدرات ويوهن من عزائم الطرف المقابل، سواء كانت العزائم معنوية ( كما في إطلاق الهدي في عمرة الحديبية) أو كانت العزائم عسكرية أو قتالية وقد أرشد القرءان الكريم إلى ذلك فجاء قول تعالى:"وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ"فإن إعداد القوة المتزايدة التي يصعب هزيمتها والإعلان عن ذلك، قد يصنع حدث الانهزام في العدو المقابل وإيصاله لمرحلة الاستسلام من غير خوض حرب حقيقية، أو التعرض لتكاليفها، ولذلك فإننا نجد أن كثيرا من الدول تحرص على بيان ما لديها من قوة نيران لا تقاوم، وتقوم بعملية عرض للسلاح الجديد التي من شأنها أن تخيف الأعداء وتردعهم، ومن الأساليب المتبعة في ذلك القيام بالمناورات وإجراء العروض العسكرية ، وقد مارس المسلمون الأوائل شيئا من ذلك عندما قدم الرسو صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون في عمرة القضية فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر ( من الكعبة) ينظرون المسلمين، وأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا بين الركنين (حيث لا يراهم المشركون ) ليرى المشركون شدتهم وجلدهم، وقد أتى ذلك السلوك بالنتيجة المرجوة منه، فقال المشركون لما رأوا ذلك: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ! هؤلاء أجلد من كذا وكذا (1 ) قال ابن حجر تعليقا على ذلك:"ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابا لهم" (2 ) كما حدث هذا أيضا في فتح مكة فبعدما أسلم أبو سفيان رضي الله تعالى عنه أوقف بمضيق الوادي عند خطم الجبل، وجعلت كتائب المسلمين تمر عليه كتيبة كتيبة كلما مرت قبيلة يقول: من هذه، فيقولون: هذه سليم، فيقول: ما لي ولسليم، وهكذا قبيلة قبيلة، حتى أقبل رسول ا صلى الله عليه وسلم في كتيبة المهاجرين والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: ما لأحد بهؤلاء طاقة والله، فقال له العباس: النجاء إلى قومك، فجاءهم أبو سفيان يصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقد أوقف أبو سفيان في هذا المكان ليرى كتائب المسلمين، ويرى قوتهم واستعدادهم وإمكاناتهم؛ ليبلغ قومه عن اقتناع ويقين أنه لا أمل في المقاومة، وأن الاستسلام خير لهم وأبقى ، وهكذا صنع هذا المسلك حدث الانهزام عند المشركين فلم تعد بهم رغبة للمواجهة، وإنما صار هم الواحد منهم أن يبحث عن طريقة ينجو بها، وقد كان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، أثر كبير في صنع الانهزام التام؛ إذ أنه أفسح بذلك لهم مجالا للنجاة، ولو أن صلى الله عليه وسلم ما جعل لهم طريقا ينجون به، وأدركوا أنهم هلكى هلكى فربما دفعهم ذلك إلى التجمع والمقاومة، التي يترتب عليها في الغالب وقوع إصابات في صفوف المسلمين0فكان الذي فعله رسول ا صلى الله عليه وسلم من ذلك مطابق للحكمة التي يعلمها للناس.