فهرس الكتاب
فالجماعة واحدة: جماعة المسلمين تحت عَلَم التوحيد على طريق النبوة لا تتوازعُهم الفرق والأهواء ولا الجماعات والأحزاب .
وإن قبول أي دعوة تحت مظلة الإسلام تخالف ذلك هي وسيلةُ إجهازٍ على دعوة التوحيد وتفتيتٍ لجماعة المسلمين ، وإسقاطٍ لامتياز الدعوة ، وسقوطٍ لجماعتها ، وكسرٍ لحاجز النفرة من البدع والمبتدعين ، والفسق والفاسقين .
والجماعات إن استشرى تعددها في الجزيرة فهو خطر داهم يهدد واقعها ويهدم مستقبلها ويسلّم بيدها ملفَّ الاستعمار لها وبه تكون مجمّع صراع فكري وعقدي وسلوكي ينشأ عن ذلك (12) إسلامٌ إقليمي: فينشأ إسلام إيراني ، وإسلام تركي ، وإسلام هندي ، وإسلام أفغاني ، وإسلام أوروبي ، وإسلام أمريكي ويظهر في جانب من جوانب العالم الإسلامي الواسع تحريفٌ ديني أو مسخ للإسلام أو تنجح مؤامرة يحوكها رجل ذكي من أعداء الإسلام فلا تمكن مقاومتها والتغلب عليها وكان ذلك من حِكم مشروعية الحج وأسراره لأنه استعراضٌ عالميٌّ للأمم الإسلامية وطبقات الأمة المسلمة على صعيد واحد ووقت واحد في رحاب البيت الحرام الذي جعله الله ملتقى المسلمين وقياما للناس (13) .
ولما كانت الجزيرةُ والحجازُ معقلَ الإسلام ومبدأه ومنتهاه ، والموئلَ الذي يأوي إليه الإسلامُ والمسلمون في ساعات عصيبة وأزمات مختلفة وفي آخر الزمان وقد جاء في بعض الأحاديث مايدلّ على ذلك فعن عمرو بن عوف قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:
"إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز كما تأرِز الحيةُ إلى جُحرها ، وليعقِلَنَّ الدينُ من الحجاز مَعقِلَ الأَروِيَة من رؤوس الجبال" (14) .
وعن عمر عن صلى الله عليه وسلم قال:"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ، وهو يأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جُحرها" (15) .
وعن أبي هريرة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" (16) .
ولما كانت هذه الجزيرةُ وهذه البقاعُ المقدسة مصدرَ الإشعاعِ العالمي الإسلامي ، ومقياسَ قوةِ الإسلام وسلطانه ؛ كان علماء المسلمين وقادتهم - في كل زمن وبلد - شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث ولما يجري فيها من تيارات دقيقي الحساب لمدى تمسكها بالتعاليم والآداب الإسلامية ومحافظتها على الروح الدينية والعاطفة الإسلامية كبيري الغيرة عليها وعلى قيادتها للعالم الإسلامي وقد تجلى ذلك في كتابات علماء الإسلام وأدبهم وشعرهم في أزمنة مختلفة وقد سار قول أشهر شعراء إيران وأدبائها: الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي (المتوفى 691) مسير المثلِ:
"إذا بدأت طلائع الفساد والانحرافات من فناء الكعبة ورحاب البيت الحرام ؛ فعلى الإسلام والمسلمين السلام".
وقد فزع الشاعر الفارسي المسمى بأبي المجد مجدودٍ الغزنوي المعروف بالحكيم السَّنَّائي (المتوفى 546) لحوادثَ جرت في عصره ولتسرُّب نفوذ بعض القوى المعادية للإسلام إلى جزيرة العرب وإلى البقاع المقدسة ومركز الإسلام فأشار إلى ذلك في قصيدة له وحَسَب له كلَّ حساب وحذّر العالمَ الإسلامي من سوء عاقبته وأثارَ غيرةَ أهلِ الحجاز وأبناءِ الجزيرة"انتهى ."
فواجبٌ واللهِ تنظيفُ هذه الجزيرة من تلكم المناهج الفكرية المبتدعة والأهواء الضالة وأن تبقى عُنوانَ نُصرةٍ للكتاب والسنة والسيرِ على هدي سلف الأمة حربا للبدع والأهواء المُضِلّة .
12.وعليه ؛ فيجب تعميقُ الرابطة الدينية ثم يجب جَذمُ جُذورِ العصبية لغير الكتاب والسنة مهما ظهرت في أي مِسلاخ فهي عصبيات جاهلية مُنتِنَة تثيرُ الشغب وتشعلُ الفتن وتضرِمُ المشاكلَ وتزرعُ الإحنَ .
فواجبٌ محاصرتها وإطفاؤها وتحطيمُ جمعِها، سواءٌ أكانت عصبيةً قَبَليّة أم عصبيةً رياضية أو سواهُما من تلكم الموجات الكاسحة التي تبذل فيها جهود الشياطين حاملين جراثيم الهرج ركضا وراء السراب لنَقلَةِ شباب الأمة إلى آخر أشواط التخلف فيكونون هباء منثورا لا يقتلون صيدا ولا ينكؤون عدوا .
إنها قوة ما إن تفور إلا وتغور ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
13.يجب تعميق الوحدة الأخلاقية في قالب الإسلام لا غير فواجبٌ وقفُ مرحلة الإغارة على أخلاقيات هذه الجزيرة الإسلامية والانتقالِ منها إلى السلوكيات الغُثائية الوافدة في مجالات الحياة كافة وتحت إرخاء العَنان للترفّه والمد الحضاري الغُثائي الغربي ، والتهامِ اللذات والتسابق إلى عوامل الاسترخاء والتميّع والتفكيرِ المترهل والنَّهَم في جلب الكماليات والتسابُقِ إلى مظاهر البذخ حتى في اللباس للذكور والإناث كلُبس البنطال والقُبعة - الكبوس ، ويقال: البرنيطة - والألبسة الخالعة للنساء، وغيرها . فالله الله في لباسكم الإسلامي يا أهل الجزيرة .ومثل: المواقيت والمقاييس والموازين .. إلى آخر شهوةِ التشبّهِ بأعداء الله الكافرين .
وصدق صلى الله عليه وسلم:"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرا بشبرٍ وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضب لتبعتموهم" (17) .