فهرس الكتاب
وحينما أراد الشاعر"محمد إقبال"أن يبين أثر تخلي المرء عن هويته وذاتيته ضرب مثلاً فقال:"كانت مجموعة من الكباش تعيش في مرعى وفير الكلإ عيشاً رغيداً , ولكنها أُصيبت بمجموعة من الأسود نزلت بأرض قريبة منها , فكانت تعتدي عليها وتفترس الكثير منها , فخطر ببال كبش كبير منها أن يتخذ وسيلة تريحها من هذا الخطر الداهم الذي يهددها , فرأى أن استخدام السياسة والدهاء والحيلة هو الوسيلة الوحيدة , فظل يتودد إلى هذه الأسود في حذر حتى ألفته وألفها , فاستغل هذه الألفة , وبدأ يعظ الأسود , ويدعوها إلى الكف عن إراقة الدماء , وإلى أن تترك أكل اللحم , وأخذ يغريها بأن تارك أكل اللحم مقبول عند الله , وأخذ يزين لها الحياة في دعة وسكون , ويقبح لها الوثب والاعتداء , حتى بدأت الأسود تميل إلى هذا الكلام , فأخذت الأسود تتباطأ في افتراس الكباش , فكانت النتيجة أن استرخت عضلاتها , وتثلمت أسنانها , وتقصفت أظافرها , وأصبحت لا تقوى على الجري , ولم تعد قادرة على الافتراس , وبذلك تحولت الاسود إلى أغنام .. لماذا؟"
لأنها تخلت عن خصائصها وفقدت ذاتيتها.... )) , وصدق رسول ا صلى الله عليه وسلم:"ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".
لقد وصلت محاولات ( طمس الهوية ) إلى حد أن يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفوا الكلم عن مواضعه , أن نفعل مثلهم , ونمارس هواية
"التحريف"التي طالما تلطخوا بها , فقد كان من محاور اتفاقية"كامب _دافيد":"ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام".
وصرح"إسحاق نافون"رئيس الدولة اللقيطة الأسبق في خطابه بجامعة ابن جوريون أمام السادات في 27/5/1979م بأن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن التربيات العسكرية والسياسية , وصرح أيضاً أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في 28/10/1980م بأن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساساً بالسلام الإسرائيلي .
أعداء الهوية من الخارج.. واضحون صرحاء
يحرص"الآخرون"على هويتهم , مع أجتهادهم في تذويب الهوية الإسلامية وطمس معالمها فُيحِلٌون لأنفسهم ما يحرمونه علينا , فعلى سبيل المثال: قال نيكسون في كتابه (( أنتهز الفرصة ) ):"إننا لا نخشى الضربة النووية , ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب", إذاً المسألة بالنسبة لهم حياة أو موت .
وقال أيضاً في نفس الكتاب:"إن العالم الإسلامي يشكل واحداً من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين".
وبلغ إعجاب ( كلينتون ) بالهوية الأمريكية , واغتراره بها إلى أن وجد في نفسه الجرأة على أن يقول:"إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري , وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا".
و لك أن تتخيل كيف تكون"صورة"هذا العالم الذي يكون نسخة من (الغابات التحدة الأمريكية) .
وبالأمس قال"إيوجين روستو": (رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس(جونسون) لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967: (إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي: فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته، وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) أنتهى .
ومنذ زمن قال أحد المسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية:
"ليست الشيوعية خطراً على أُوربا_ فيما يبدو لي_ فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة , وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي عسكري فقط , ولكنه على أي حال ليس خطراً حضاريا تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء , إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي , والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي , فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص , ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة , وهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد دون حاجة إلى"الاستغراب", وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب , فإذا أصبح لهم عِلمهم , وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع , انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الفتيَ , وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية , ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ"أنتهى.
ولعلنا نذكر الصراع السياسي الذي احتدم في كندا حول هوية مقاطعة"كويبك"بين المتحدثين بالإنكليزية , وبين المتحدثين بالفرنسية الذين يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة .
ونذكر أيضاً أن فرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية الجات , والذي يضمن للمواد الأمريكية أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديداً صارخاً لهوينهم القومية , وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات .