فهرس الكتاب
قلت: هذا النص المنقول من أحد مناهجنا -على ما فيه من بتر كما مضى!- لم يعجب الباحثَيْن حيث ظنوه من قبيل"التهويل"و"التضليل"! غير المطابق لواقع المسلمين. وهذا الظن دليل مؤكد على قلة اطلاعهما على أحوال كثير من البلاد الإسلامية التي تنتشر فيها مثل هذه البدع. ولو كلف الباحثان نفسيهما جهداً يسيراً لعلما أن المنهج لم يخالف الحقيقة المرة التي شهد بها العقلاء والغيورون من علماء ومفكري وأدباء الأمة الإسلامية من غير أهل هذه البلاد!. ولا بأس أن أنقل شيئاً من أقوالهم يوافق -بل يزيد!- على ما جاء في مناهجنا:
يصف المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول:"ينصبون خياماً كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أختلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعيب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً.." (30) .
ويصف أحمد شفيق باشا (الليلة الختامية) للمولد النبوي فيقول:"ويزدحم الناس في هذه الليلة ازدحاماً لا مثيل له لمشاهدة هذه الأذكار وسماع أناشيدها، ورؤية النيازك.. وينتهز الشباب فرصة الزحام، فيكثر الغزل بين الفتيات والفتيان، وتمشي رسائل (اللب والفستق) ونحوها بين العربات التي تحمل الجنسين، مما يجعل من الليلة مهرجاناً: حظ الفتنة فيه أكبر من حظ الدين -إن كان للدين حظ في أمثال هذه الاحتفالات-" (31) ، وهذه حقيقة!، فالموالد غالباً ما تكون فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط.
فالمولد فرصة لأن"تنتهك فيه حرمات النساء، وتشرب الخمور"، حتى إنه"أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكاناً للهو والرقص والغناء الساقط" (32) ، وفيه"الوليات يفضن الخيرات والبركات على الناس بواسطة المصافحة والتقبيل والعناق، ويقذعن عند ذلك بألفاظ من الفحش لا يليق أن تُحكى فضلاً عن أن تسطر في الأوراق"-كمايذكر الشيخ محمد رشيد رضا- (33) .
وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) "فترى الفتيات يرقصن حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة" (34) .. فليس هذا خاصاً ببلد دون آخر، بل هو موجود بصور مختلفة ودرجات متفاوتة -بحسب عادات كل بلد وتقاليده- حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة (35) .
ويقول الشيخ (المصري) علي محفوظ -رحمه الله- متحدثاً عن الموالد الكثيرة في بلاده: (وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا كل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن. ولا نزاع في أنها من البدع -ثم ذكر أسباب بدعيتها ومنها كما يقول-
وثانيها: ما تشتمل عليه هذه الموالد من المفاسد المحرمة والمكروهة. فمن المحرمة إضاعة الأموال بكثرة الوقود في المساجد والطرق وإيقاد المصابيح في الأضرحة وكل ما يرجع إلى الإسراف والتبذير، وفي الحديث"إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"رواه مسلم. ومنها: انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها وكثرة اللغط فيها، ودخول الأطفال حفاة أو بالنعال فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر في مسجد يُعمل فيه مولد. ومنها: خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع الفاحشة. وناهيك ما يكون من البغايا وتطلبهن الفاحشة جهاراً..." (36) ."
وتقول الدكتورة سعاد ماهر محمد في كتابها"مساجد مصر وأولياؤها الصالحون" (1/44) : (قد جرت العادة في مصر وسائر بلاد العالم الإسلامي تقريباً أن يزور الناس قبور الأهل وأضرحة آل البيت وأولياء الله الصالحين في المواسم والأعياد الدينية. وقد زاد اهتمام الناس بهذا التقليد القديم؛ حتى أن وزارة الأوقاف رأت أن تساهم بدورها في إحياء هذا التقليد. فشاركت في إحياء ذكرى أصحاب هذه الأضرحة التي يزيد عدد المشهور منها على الألف؛ بإقامة احتفالات في مواعيد معينة عرفت بالموالد) .
وقد ذكر تقرير الحالة الدينية في مصر الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية أن مولد البدوي في مصر حضره عام 1996م حوالي 3 ملايين زائر!! بخلاف غيره من الموالد الأخرى (37) .
ويصف الشيخ عبدالرحمن الوكيل أحوال عبّاد القبور -من الصوفية وغيرهم- ويشير إلى جملة من صور الكفر والفجور في تلك المشاهد والموالد، فيقول:"وسل الآمّين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها.. فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويسجدون أذلاء لرمتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و"الحشيش"، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية، ويسمونها موالد، أو مواسم عبر وذكريات خوالد..." (38) .