فهرس الكتاب
كذلك لا ينبغي أن ينسى أثر الدولة الصفوية الشيعية في حروبها لدولة الخلافة الإسلامية، وتعاونها مع الأعداء من البرتغال ثم الإنجليز ضد المسلمين، وتشجيعها بناء الكنائس ودخول المبشرين والقسس، مع محاربتهم للسنة أهلها (52) . (53)
وأما الصوفية: فذكر الجبرتي في تاريخه: أن نابليون بونابرت سأل الشيخ البكري عن عدم إقامة المولد النبوي بعد احتلال القاهرة، فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور، وتوقف الأحوال، فلم يقبل نابليون ذلك وقال: لابد من ذلك! وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي معاونة منه في إقامة هذا المولد، وأمر بتزيين البلد كالعادة، واجتمع الفرنسيون يوم المولد، ولعبوا ميداينهم، وضربوا طبولهم ودبادبهم (54)
بل أعادوا المولد الحسيني، وكانوا يجبرون الناس ويقهرونهم على الاحتفال بهذه الموالد، ويغرمون من يأبى أن يحتفل بها (55) !
والسبب ما رآه الفرنسيون في هذه الموالد"من المخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات" (56) .
لقد أدرك الفرنسيون ما يقع بسبب هذه الموالد من سلبيات، وما تستنفذه من جهود وأموال، وتشغله من أوقات وتفكير، وما في ذلك من صرف للناس عن جهاد المحتلين ومقاومتهم. وهو ما لم يدركه الكثير من العلماء ممن شجعوا تلك الموالد، أو حتى غضوا الطرف عنها.
ولا شك أن الفرنسيين أدركوا ما لتلك الموالد من مكانة عظيمة في حياة الناس، لذا سارعوا بإعادتها، حتى يلهّوا الناس بها، وتعود الأمور إلى مجاريها، وكأن شيئاً لم يحدث، ويغلقوا على أنفسهم باباً واسعاً من أبواب الثورة.
"وأخذ الفرنسيون يفكرون فيما يغطون به سخط الشعب المصري، ويقرب قلوب الناس إليهم، فرأوا أن من أجدى الوسائل التي قد تؤدي إلى ذلك إحياء الموالد، كما كانت في سالف الأيام" (57) .
-وفي رسالة للمارشال"بوجو"أول حاكم فرنسي للجزائر إلى شيخ الطريقة التيجانية، ذات النفوذ الواسع جاء فيها: إنه لولا موقف الطريقة التيجانية المتعاطف!! لكان استقرار الفرنسيين في البلاد المفتوحة حديثاً أصعب بكثير مما كان" (58) ."
وكان شيوخ الطرق الخونة يقومون بكتابة عرائض بتوقيعاتهم وتوقيعات أتباعهم، يملؤونها بالثناء والشكر لفرنسا، التي كانت تعتبرهم ممثلين للشعب، ولا غرابة بعد ذلك أن يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر: إن الحكومة الفرنسية تعظم زاوية من زوايا الطرق أكثر من تعظيمها لثكنة جنودها وقوادها، وأن الذي يحارب الطرق إنما يحارب فرنسا!! (59) .
وأما الإسماعيلية فلهم نشاط سياسي ضخم، حيث وقفوا في أفغانستان مع المستعمر الروسي، ومدوا له يد العون، فكان لانتشارهم في ثلاث أماكن هي (ولاية بغلان) و (لسان واخان) و (مديرية شمالي في ولاية بروان قرب كابل) فرصة سانحة لذلك المستعمر، يقول"سيد منصور"قائد قفرقة الإسماعيلية ببغلان في مقابلة له في شريط فيديو: إن هذه الحرب في مصلحتنا 100%، كما أنه اعترف أن له صداقة حميمة مع روسيا، ومع حكومة كابل الشيوعية، كما اعترف بتلقي مساعدات، وإمدادات عسكرية من الروس. ولقد لاحظ المراقبون عقب الانسحاب الروسي الدعم والمساندة من قبل الدبلوماسية البريطانية والأمريكية للإسماعيلية المنتشرة في أفغانستان بغية ربطها بإسماعيلية باكستان لتهيئة الأجواء لتأسيس دولة إسماعيلية (60) .
وأما الباطنية: فيقول الدكتور محمد أحمد الخطيب في كتابه"الحركات الباطنية في العالم الإسلامي" (ص 446) :"وكان أكثر عوناً للصليبيين وأشد خطراً على كل محاولة إسلامية لقتالهم، فرقة الحشاشين الذين عرفوا بالقتل والتدمير، وأصبحوا أداة غادرة بيد الصليبيين موجهة ضد المسلمين."
فكانوا بما أقدموا عليه من اغتيالات ضد القادة المسلمين، موضع ترحيب وتقدير من قبل الصليبيين بعد أن وجدوا فيهم ضالتهم المنشودة، فسارعوا للتحالف الوثيق معهم، وكان هذا التحالف واضحاً عندما زحف المسلمون على الصليبيين حتى بلغوا طبرية في فلسطين بقيادة مودود وطغتكين سنة 1113م، فأغضب هذا الباطنية، فعملوا على قتل مودود بينما كان يدخل المسجد الكبير لتأدية صلاة الجمعة، فطعنه أحد الباطنية بخنجر فلقي مصرعه. وهكذا تخلص الفرنج من عدو لدود لهم، بمصرع مودود على يد الباطنية.
وزاد من نفوذ الباطنية في بلاد الشام، اعتناق رضوان ملك حلب للمذهب الباطني وعطفه على أتباعه، فاستغل الباطنية تلك المكانة وأخذوا يباشرون أعمالهم الإجرامية ضد زعماء المسلمين (61) . وما اتسمت به سياسة رضوان الباطنية، أسهمت إلى حد كبير في توطيد ملك الفرنج في الشام (62) .
وتوطدت العلاقات الودية بين الصليبيين والباطنية في أيام نور الدين، وصلاح الدين، اللذين عملا جاهدين على توحيد العالم الإسلامي ضد الصليبيين، فقد كانت كراهية الباطنية لنور الدين شديدة، واعتبروه عدوهم اللدود، نظرا لأن سلطانه قيد توسعهم، فحقدوا عليه وعاونوا حلفاءهم الصليبيين ضده..."الخ."