فهرس الكتاب
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- راداً على واحدٍ من الخالطين بين الموالاة والمودة (المحرمة) وبين القسط والإحسان لغير المحارب (الجائز) :"زعم آخر من دعاة القومية أن الله سبحانه قد سهل موالاة الكفار الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا، واحتج على ذلك بقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) وهذا كالذي قبله احتجاج باطل، وقول في القرآن بالرأي المجرد، وتأويل للآية على غير تأويلها. والله سبحانه قد حرم موالاة الكفار ونهى عن اتخاذهم بطانة في الآيات المحكمات، ولم يفصل بين أجناسهم ولا بين من قاتلنا ومن لم يقاتلنا، فكيف يجوز لمسلم أن يقول على الله ما لم يقل، وأن يأتي بتفصيل من رأيه لم يدلّ عليه كتاب ولا سنة؟! سبحان الله ما أحلمه! وإنما معنى الآية المذكورة عند أهل العلم الرخصة في الإحسان إلى الكفار والصدقة عليهم إذا كانوا مسالمين لنا بموجب عهد أو أمان أو ذمة، وقد صح في السنة ما يدل على ذلك، كما ثبت في الصحيح أن أم أسماء بنت أبي بكر قدمت عليها في المدينة في عهد صلى الله عليه وسلم وهي مشركة تريد الدنيا، فأمر صلى الله عليه وسلم أسماء أن تصل أمها وذلك في مدة الهدنة التي وقعت بين صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة"وصح عن صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عمر جبة من حرير فأهداها إلى أخ له بمكة مشرك. فهذا وأشباهه من الإحسان الذي قد يكون سبباً في الدخول في الإسلام والرغبة فيه وإيثاره على ما سواه، وفي ذلك صلة للرحم، وجود على المحتاجين، وذلك ينفع المسلمين ولا يضرهم، وليس من موالاة الكفار في شيء كما لا يخفى على ذوي الألباب والبصيرة" (91) ."
المغالطة الخامسة عشر:
عدم تفريق الباحثَيْن بين التعاملات الجائزة مع الكفار وبين البراءة منهم وعدم مودتهم ومحبتهم. ولذلك فقد حشدوا نصوصاً كثيرة جاءت في المقام الأول للتدليل بها على المقام الثاني! دون فقه بمعانيها (ص12-13، 23-26) ، وقد سبق في كلام الشيخ ابن باز -رحمه الله- الرد عليها والتفريق بين المقامين.
المغالطة السادسة عشر:
قولهما: (ومن نماذج تعميم أحكام المحاربين ما يقوله المقرر مثلاً:"ومحبة الله لها علامات تدل عليها.. ومنها: العزة على الكافرين) (ص13) ."
قلت: المنهج يتحدث عن علامات محبة الله عز وجل؛ المستفادة من آيات القرآن الكريم! ومنها ما يراه الباحثان عيباً في مناهجنا -والعياذ بالله-؛ وهو العزة على الكافرين المستفاد من قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..) الآية، وقد ذكرت في المنهج! فكيف عميت عنها الأبصار؟! فإذا كان للباحثَيْن اعتراض فليعترضوا -صراحة- على كتاب الله عز وجل؟! لا أن يوهموا القارئ أن اعتراضهم ليس على النصوص والأحكام الشرعية الثابتة، إنما على المناهج .. فما هذا إلا ضحك على العقول واستخفاف بها.
المغالطة السابعة عشر:
ادعاؤهما أن الإسلام لم يأت بتفاصيل الأحكام !
يقول الباحثان: (ولما بعث الله الرسل وأنزل معهم الشرائع لم يبين فيها إلا القواعد العامة التي يحتاجها الناس في حياتهم وبعض التفاصيل الثانوية، ولم يشأ الله تعالى أن يحسم كل مظاهر الاختلاف..) ! (ص14) .
قلت: هذه -للأسف- مقولة جاهل بدين الله! إذ كيف يكون الإسلام -وهو محور الحديث!- لم يأت إلا (ببعض التفاصيل الثانوية) ! وهو الدين الذي ما ترك صغيرة ولا كبيرة في حياة أتباعه إلا وجعل لها آداباً وأحكاماً تخصها.. حتى الدخول إلى الخلاء -أكرم الله المؤمنين-؟! فكيف بغيرها من الأمور الأخرى التي هي في قياس الباحثَيْن من التفاصيل الثانوية؟ كأحكام النوم والاستئذان والسلام والعطاس والتثاؤب والأكل واللباس و.. و.. الخ، حتى عجب اليهود والمشركون من هذا الضبط التشريعي في حياة المسلمين فقال قائلهم لسلمان الفارسي -رضي الله عنه-:"إني أرى صاحبكم يعلمكم. حتى يعلمكم الخراءة. فقال سلمان: أجل. إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام.." (92) . وهذا مصداق لقوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وقوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) مع قوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) .
وقول الباحثَيْن السابق دليل آخر يشهد باقتياتهما من كتب العصريين التي تحاول تضييق دائرة النصوص الشرعية حتى تكاد تلغيها في مقابل ما يسمونه (المصالح) و (المقاصد الكلية للشريعة) التي احتالوا بها على قال الله وقال رسول صلى الله عليه وسلم (93) . وقد قال تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) .
المغالطة الثامنة عشر:
يعيب الباحثان على المنهج الشرعي أنه (لم يعرض أصول الاختلاف وقواعد التعامل مع المخالف وعلى رأسها) : (1-أن الاختلاف سنة كونية) (2-تعميق الإيمان بالتعددية) (3-نبذ الزهو المذهبي) (4-تكريس قيم التعايش) . (ص14-15) .