فهرس الكتاب

الصفحة 16437 من 27364

إننا نعيش في ظل هيمنة الرأسمالية المالية على الاقتصاد الرأسمالي العالمي أو ما يسمى أحيانا صعود الرأسمالية المالية. ومعروف أن هذه الرأسمالية المالية قد أخذت في الظهور منذ نهاية القرن الماضي مع انتقال الرأسمالية من أوضاع المنافسة إلى أوضاع الاحتكار. ومع تركيز رأس المال وتزايد نشاط المصارف وتقديمها الائتمان الكبير لكبار الرأسماليين أمكن لقلة قليلة العدد من الاحتكاريين أن تُخضع لإشرافها مجموع العمليات التجارية والصناعية في المجتمع، وصارت تجد في العمليات المصرفية الإمكانية للتعرف بدقة على حالة الأعمال لدى كل رأسمالي على حدة، ثم للإشراف عليهم والتأثير فيهم. وفي النهاية اكتسبت القدرة على تقرير مصائرهم. هكذا نشأت الصلة الوثيقة بين المعارف والصناعة. وتطورت العمليات لتكون النتيجة هي خضوع الرأسمالي الصناعي للمصرف والارتباط الشخصي بين المصارف والمشروعات الصناعية والتجارية. واندمج رأس المال المصرفي ورأس المال الصناعي ليشكلا ما نسميه رأس المال المالي.

وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، في الفصل الأول، صعود الاقتصاد الرمزي، يقول المؤلف إنه بنشأة رأس المال المالي في نهاية القرن الماضي بدأت معالم الاقتصاد الرمزي في الظهور، فبدأت في الظهور تلك الرأسمالية غير المرتبطة بالإنتاج، أي تلك الرأسمالية ذات الطبيعة الطفيلية. فقد بدأ في التكوين رأسمال اسمي يتمثل في الأوراق المالية لا في الإنتاج، ويجني الريع لا الربح. ويعني الاقتصاد الرمزي حركة رؤوس الأموال بما في ذلك تقلبات أسعار الفائدة وتدفقات الائتمان، بينما يعني الاقتصاد الحقيقي حركة السلع والخدمات. ومعنى ذلك في الحقيقة أن حركة رؤوس الأموال لم تعد مرتبطة عضويا بحركة السلع والخدمات. وصارت حركة رؤوس الأموال المستقلة تشكل دورتها المستقلة، بل تشكل اقتصادها المستقل. لقد أصبح النظام المصرفي الدولي الجديد هو ملتقى كل المشروعات المالية الضخمة. وكان في السبعينات هو النظام الوحيد القادر على استيعاب وإعادة تدوير الفوائض النفطية وإطلاق عملية إقراض الدول النامية. ونجح بذلك في تحويل السيولة الدولية إلى عملية خاصة غير حكومية، وتحويل التمويل الدولي للبلدان النامية إلى عملية خاصة غير حكومية. ومع التراجع المضطرد في دور المنظمات الرسمية الدولية، فإن النظام النقدي الدولي أصبح الآن نظاما خاصا يتولاه رأس المال الخاص المتخطي للقوميات.

وفي الفصل الثاني، إعادة هيكلة آليات النقد والمال، يقول المؤلف إن أخطر ما يجري من عملية إعادة هيكلة أسواق رأس المال هو ما يمس آلياتها، إذ يتم التحول الآن من عقلية المصارف التجارية المشكلة على أساس مخاطر الائتمان فقط إلى عقلية مصارف الاستثمار المشكلة على أساس مخاطر السوق. وتصبح الآليات الأساسية هي آلية القرض أو الدين. ويتم التحول من القرض للإنتاج إلى القرض للقرض أو لمزيد من القروض. وتلعب تقلبات وتغييرات أسعار الفائدة والصرف دورا بالغ الفاعلية. وتبرز المضاربة بوصفها نشاطا جوهريا لرأس المال لا يتحرك بهدف التصحيح كما كانت البداية الأولى للمضاربة، وإنما بهدف الكسب والمزيد من الكسب لرأس المال. ومن ثم فإن رأس المال هذا الذي يتوسع داخليا وخارجيا يتولى إعادة النظر في الفائض الذي ينتجه المنتجون المباشرون وإعادة توزيعه بين الأجزاء المختلفة لرأس المال. ويذهب المشتغلون بدنيا النقد والمال إلى أننا بصدد ثورة مالية تدفعها خطوات متقدمة وغير عادية في جميع المعلومات والاتصالات. وإذ أصبحت الأسواق المالية دولية تماما وكونية صارت سوقا واحدة بعيدة عن أي رقابة قومية. ولقد نمت هذه السوق خلال القرن الماضي حيث صارت المدفوعات الدولية المتعلقة بالمعاملات المالية تتغلب على تلك المدفوعات الدولية المتعلقة بالمعاملات التجارية. ولقد صارت سوقا دوليا تتداول نوعا جديدا من رأس المال هو رأس المال الدولي. وهو رأسمال بالغ القوة والعنف والذكاء شعاره الأساسي أن الديون محرك للنمو الاقتصادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت