فهرس الكتاب

الصفحة 16438 من 27364

وفي الفصل الثالث، آلية الديون الخارجية، يقول المؤلف إنه من السهل القول إن مشكلة الديون إنما تعبر عن عجز كثير من البلدان النامية عن مواجهة تفاقم مشاكل موازين مدفوعاتها. لكن من الصعب البحث فيما وراء ذلك العجز عن أسبابه الكامنة في آلية التقسيم الدولي للعمل السائد في السوق العالمية، وهي آلية يجري في ظلها انتقال دائم للموارد الاقتصادية من البلدان النامية إلى البلدان الرأسمالية. ولهذا فإن عجز ميزان المدفوعات إنما يعبر عندئذ عن الخلل الهيكلي الكامن في الاقتصاد النامي الذي يعتمد على تصدير خامات واستيراد آلات وسلع رأسمالية ووسيطة لازمة للإنتاج، بل سلع استهلاكية عديدة. ولابد من أن يعاني بالتالي من تدهور شروط التبادل نتيجة انخفاض أسعار صادرات الخامات وارتفاع أسعار الواردات الصناعية. هكذا تحولت ظاهرة المديونية الخارجية المتصاعدة إلى أداة من أدوات تكيف الرأسمالية المعاصرة: أداة لضمان وإعادة تدوير الفوائض النفطية وأداة لتمويل واردات البلدان النامية من الدول الصناعية. تحولت إلى آلية من آليات الاقتصاد الرمزي تتلخص في إدارة خدمة الفائدة وأصل الدين، وتتركز بصفة خاصة على الاستمرار في دفع الفائدة، وبالتالي الحفاظ على الأوضاع المربحة للقروض، ومن هنا عمليات إعادة الجدولة. وحلت المصارف الدولية محل صندوق النقد الدولي في وضع الشروط على الإقراض الدولي للبلدان النامية، وتحولت إلى مديرين عالميين للأسواق المالية ومنسقين للسياسات الاقتصادية للدول. وعند اللزوم فإنها تستدعي صندوق النقد الدولي ليفرض على المدين المشاكس شروط لخدمة الدين. وعلى الرغم من ضآلة الموارد التي يضعها الصندوق تحت تصرف الدول المدينة، فقد تضاعفت أهمية صندوق النقد الدولي في النظام الدولي للائتمان، فإنه يتولى الإدارة العليا للديون ويضمن استمرار وظيفتها الأساسية: أن تكون مصدرا مستمرا لدفع الفوائد.

5-إعادة نشر الصناعة والزراعة عالميا:

يبرز في السنوات الأخيرة نمط معدل للتقسيم الدولي للعمل يتلخص في انتقال الصناعة جنوبا وانفراد الشمال بعصر ما بعد الصناعة، إنه نمط يطرح على البلدان النامية أن تواجه عملية التنمية بصيغة أخرى هي الانتقال من عصر الثورة الصناعية إلى عصر الثورة العلمية والتكنولوجية. وبالتالي فإنه يحتفظ للبلدان النامية بدورها الأصيل كمورد للخامات الطبيعية الرخيصة نسبيا، ولكنه يمنحها دورا جديدا هو دور المورد الثانوي للمنتجات الصناعية.

وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، الفصل الأول، إعادة نشر الصناعة جنوبا، يقول المؤلف: إن الصناعة القديمة المريضة، الثقيلة والخفيفة، تتحرك نحو الجنوب إلى البلدان حديثة التصنيع، حيث تتمتع بالميزة في إنتاجها، وتتمثل هذه الميزة بالدرجة الأولى في وفرة العمل الرخيص. ولهذا يتم النقل بدلا من اتخاذ إجراءات الحماية ضدها، وهو ما يلتقي مع طموحات بعض البلدان النامية الراغبة في التصنيع إما لإحلال الواردات، وإما لتشجيع الصادرات. ولقد رأى بعض البلدان الآسيوية الأكثر تقدما في الصناعة أن إعادة تشكيل هيكل الصناعة صار أمرا ضروريا لا لبلوغ قدر أدنى من الكفاءة الإنتاجية، ولكن للرد على احتمالات أخرى مثل ارتفاع تكلفة العمالة وازدياد الحماية في أسواق التصدير وتعاظم المنافسة فيما بينها. وبالتالي فإن نقل الصناعة جنوبا يوفق بين اتجاه الصناعة غير الحيوية للنزوح من الشمال وطموحات البلدان النامية للتصنيع والجمع بين مزايا إحلال الواردات وتنمية الصادرات معا. ولكن المشكلة تكمن في أن نقل الصناعة يتم سواء من جانب رأس المال الدولي أو راس المال المحلي على أساس التخلي مقدما عن السوق المحلية. فالتصنيع الجاري يهمل منذ البداية السوق المحلية من جانبيها: من جانب العرض أي الإنتاج، حيث لا يهتم بتحقيق أي تشابك صناعي أو خلفي مع الاقتصاد المحلي، ومن جانب الطلب أي الاستهلاك، إذ لا يأخذ في الاعتبار الطلب المحلي، وعندما يضعه في الاعتبار فإنه ينظر إليه نظرة قاصرة، إنه ينظر عندئذ إلى الطلب الفعلي مغفلا الطلب الإجمالي مستقبلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت