فهرس الكتاب

الصفحة 16511 من 27364

وحطم التعصب العرقي الكفاءات والمؤهلات في العمل والإبداع والعلم، فلا أهمية إلا للانتماء العرقي في التوظيف والترقية والمناصب. قال الأستاذ عبدالعزيز قباني:"فإن مجتمع العصبية مبدد للطاقة الإنسانية الخلاقة، هادر لها بنزاعاته وخلافاته الداخلية، ومشاحناته وعداواته الفئوية التي دافعها الانتقام والثأر والنكاية والحسد والغيرة وسوى ذلك"فمن هو من العرق الأزرق لن يجتهد لأنه ضامن الوصول، ومن هو خارجه لن يجتهد لأنه لا فائدة في اعتقاده من الاجتهاد، ولهذا تضعف أوطاننا وأمتنا، ونغرق جميعاً، ولو نظرنا للولايات المتحدة الأمريكية لوجدنا تشجيع المتميزين علمياً وعملياً من الأجانب فيصبح كسينجر وزيراً للخارجية مع أنه مولود في أوروبا فتستفيد أمريكا وتزداد قوة في حين أن التعصب العرقي يمنع في أحيان كثيرة شراء أرض، أو عمل مشروع استثماري في كثير من دولنا فنحن لا نثق إلا في من ينتمي لعرقنا وهذا سبب رئيسي من أسباب هجرة أموالنا لدول أجنبية، فالمواطن العربي يشعر بالغربة من كثرة القوانين والأعراف العرقية التي تمنعه من الإقامة، أو التجارة، أو التملك، أو الترقية. قال الأستاذ عبدالعزيز قباني"العصبية سواء كانت طائفية أو قبلية أو عشائرية أو عرقية، رمز إلى ما هو خاص وفئوي، أما التنمية فرمز إلى ما هو عام وإيثاري" (17) .

ومن سلبيات التعصب العرقي أنه يقف حاجزاً كبيراً أمام النقد البناء، فإذا انتقدت مسؤولاً أو حكومة أو شعباً لخطأ أو انحراف فيتهموك بأنك تعادي"العرق"الذي ينتمي إليه المسؤول أو الشعب وهب أصحاب العرق ينتصرون لصاحبهم. قال الأستاذ عبدالعزيز قباني"وبينا أن التعصب يعطل العقل وهذا ما يفسر أن ثقافتنا الحديثة غير فاعلة لأن عمادها الفاعل الذي هو النقد معطل بفعل قيمنا" (18) وقال:"فإن النقد ليس من قيم من تحكمه العصبية، لشعوره بأنه والجماعة شيء واحد فلا مسافة بينه وبينها لأن لا ذاتية له، بل إن ذاتيته هي ذاتية الجماعة" (19) قال أيضاً:"إن من طبيعة العصبية المغالاة والمبالغة في السلب والإيجاب وهذا ناجم من أنها لا تحفز إلى الموضوعية لأن ليس من طبيعتها العدل والنقد لفئويتها الجامحة وتعصبها الشديد" (20) وهذا الحاجز يعوق تنفيذ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك يمنعنا التعصب العرقي من نقد عوائلنا وقبائلنا وشعوبنا لأننا نعتبر هذا تشويهاً لسمعتنا عند الآخرين، ومن الضروري أن نقتنع بأن تسليط الأضواء على سلبياتنا هو أحد أساسيات التقدم، ولكن لنحاول أن نبدأ بأنفسنا لا بالآخرين.

ومن سلبيات التعصب العرقي أن بعض أصحابه يظنون أنهم في القمة، وذلك من خلال تسليط الأضواء الشديد على عيوب الآخرين، وسلبياتهم وأخطائهم القديمة والحديثة، فيسقط الآخرون من عيون هؤلاء فيظنون بأنفسهم أنهم أفضل البشر عرقاً، وشجاعة، وأخلاقاً لا لسبب إلا أنهم تذكروا سلبيات الآخرين ونسوا سلبياتهم قال هتلر"إن نظرة الدولة العنصرية (الألمانية) إلى الفرد تجرها حتماً إلى محاربة المبدأ الماركسي القائل بالمساواة المطلقة بين البشر" (21) وقال الأستاذ عبد العزيز قباني"وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية تنتهك انتهاكاً عفوياً معيباً في مجتمع العصبية، لأن التمييز فيه بين الناس على أساس العنصر والجنس والدين والطبقة والطائفة والأصل الاجتماعي والثروة والعائلة هو المعيار والمقياس للقيمة والاعتبار" (22) وقال"العصبية تنبذ اليوم مفهوم الديموقراطية وما يلازمها من تعددية ومساواة بمعناها الحديث لتبقى على قيم استبدادها" (23) وجعل التعصب العرقي شعوباً تضطهد شعوباً أخرى، ولغاتهم مما فتح المجال لثورة المضطهدين، وتعاونهم مع أعداء الأمة، وأصبحنا نواجه اليوم عقبات قوية من الحواجز السياسية والنفسية بين بعض شعوبنا .

ومن سلبيات التعصب أنك مهما حاولت أن تكون عادلاً وترضي عرقاً ما بمناصب وأموال فإنه سيتهمك بأنك لست بعادل مهما فعلت. وهذا وضع تواجه حكومات وقوى مخلصة قال الأستاذ صبحي العمري"خرجنا من الحكم التركي ونحن متفرقون مفككون إلى مسلم، مسيحي، شيعي، سني، إسماعيلي، نصيري، ودرزي، ومن القوميات الأخرى: تركي، تركماني، شركسي، كردي، ألباني، وأرمني وجميع هذه الديانات والمذاهب والقوميات مختلفة مع بعضها، كل منها تعتبر نفسها غريبة عن الآخرين وتعتقد أنها مغبونة مهضومة الحقوق" (24) فالتعصب العرقي يريد أكثر من حقه، في حين أن القلوب المؤمنة تعطي أكثر مما تأخذ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت