فهرس الكتاب

الصفحة 16519 من 27364

وفي مواقف الرسو صلى الله عليه وسلم من قريش والعرب قدوة لنا، فقد كان عدواً لعمه أبي لهب، وحارب قريشاً وهي قبيلته ولكن كثيراً من المسلمين اليوم ضيعوا دينهم، فهم يرون الظلم أمامهم، ولديهم القدرة على معارضته، ولا يفعلون شيئاً ولهذا ضاعوا وضاعت الأمة، قال تعالى (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) الآية 118 سورة النحل ويسخر اليوم بعض المسلمين من بعضهم نتيجة أصولهم العرقية، أو طولهم أو قصرهم بكلمات شريرة وألفاظ قبيحة تمحو الحسنات وهذه ذنوب لو مزجت بماء البحر لأفسدته لما فيها من تعصب وكبر وغرور واتهام لله سبحانه وتعالى بأنه غير عادل في المساواة بين البشر في خلقهم فالناس لم يخلقوا أعراقهم أو أشكالهم فليحذر كل مسلم حريص على دينه ليس فقط من أقوال وأعمال فيها تعصب عرقي، بل حتى على تطهير نفسه من أي عقيدة أو اقتناع بان الناس يختلفون بناء على أعراقهم، فلا فضل لعائلة على عائلة ولا قبيلة على قبيلة، ولا شعب على شعب، ولا أمة على أمة، ولا لون على لون وعليه أن يحارب المفاهيم العنصرية وأصحاب التعصب لأنهم أحد أسباب ضعف المسلمين، عن جابر رضى الله عنه قال:"كنا مع صلى الله عليه وسلم فكسع (59) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار، قال المهاجري يا للمهاجرين، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم"ما بال دعوى الجاهلية؟ قال: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال:"دعوها فإنها منتنة" (60) وقال رسول ا صلى الله عليه وسلم"من قاتل تحت راية عمية (وهي الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه) يغضب لعصبه، أو يدعو إلى عصبة فقتل فقتله جاهلية"رواه مسلم (61) وقال الأستاذ صلاح الدين الأيوبي: ولقد حور الرسو صلى الله عليه وسلم مبادئ العصبية الجاهلية إلى مبادئ حقوقية سليمة فمن ذلك قوله:"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"قال أنس كيف انصره ظالماً ؟ قال:"تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره" (62) ومن بديهيات الواقع والمعقول أنك لو قلت لرجل كان جده مجرماً عليك أن تتحمل ما فعله جدك، لقال بأنه مسئول عن أعماله لا عن أعمال جده، وأنه لا تزر وزارة وزر أخرى وهذا الكلام حق، ولكن البعض يريد أن يبنى تعصبه على ما فعله الآباء والأجداد من المآثر والأعمال الطيبة، ويتهرب من ذكر سلبياتهم وسيئاتهم قال تعالى (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (134 سورة البقرة) ولو كان النسب العرقي سببا كافيا للاستعلاء والتعصب العرقي لكان أولى أن يفتخر به بنو إسرائيل لأنهم بنو يعقوب عليه السلام ومنهم كثير من الأنبياء ولم ينفعهم ذلك بشيء، ولم ينفع النسب بني هاشم قال تعالى:"فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون*، الآيات 101-103 سورة المؤمنون. كما ثبت عن الرسو صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإنني لا أملك لكم من الله شيئاً" (63) قال الأستاذ صلاح الدين الأيوبي: قال رسول الله صلى عليه وسلم لأهله وأقربائه:"اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، وقال"لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب إن إكرمكم عند الله أتقاكم""وإذا كان أهل بيت صلى الله عليه وسلم لا يتمتعون بميزة ترفعهم على الناس إلا الأعمال فلن تكون لأحد تلك الميزة على الاطلاق" (64) .

وعموما فتاريخ كل القبائل والشعوب والامم فيه خير وشر، ومن قرأ التاريخ عرف ذلك في مواقف وحكايات وانتصارات وهزائم، وفيه صفحات بيضاء وصفحات سوداء، قال تعالى:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"فلا داعي أن نجعل من أنفسنا أولياء وغيرنا شياطين، ولنأخذ من التاريخ دروساً وعبراً لامبررات كاذبة للتعصب العرقي ونقول للمتعصبين اقرأوا التاريخ، وإذا لم تقتنعوا فابحثوا عمن يقرأه لكم بموضوعية. والحقيقة الكبرى في الانتماء العرقي أنه لا توجد ميزة وأفضلية عرقية لأي عرق بشري فكل البشر هم بنو آدم وحواء وأكرمهم عند الله أتقاهم وروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى رجلاً يقول: أنا ابن بطحاء مكة فوقف عليه فقال:"إن كان لك دين فلك شرف، وإن كان لك عقل فلك مروءة، وإن كان لك علم فلك شرف وإلا فأنت والحمار سواء" (65) وذكر الفخر بالأنساب عند إسماعيل بن أحمد أمير خراسان وما وراء النهر فقال:-"إنما الفخر بالأعمال وينبغي أن يكون الإنسان عصامياً لاعظامياً"وقال الشاعر:-

إن الفتى من يقول ها أنذا

…ليس الفتى من يقول كان أبي

قال الأستاذ صلاح الدين الأيوبي"لقد كان إنجاز الإسلام الهائل تحقيقه أن شرف أي إنسان مكتسب بصفة فردية ، بفضل ما يقوم به من أعمال الصلاح والخير ، لا بالانتساب إلى قبيلة أو موطن ، وهذا مخالف تمام الاختلاف لما كان عليه العرب" (66)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت