فهرس الكتاب
وعموماً فإن عوامل كثيرة ومتنوعة أدت إلى انهيار الدولة العثمانية وكان المتاجرة بالانتماء العرقي هي إحدى أوراق اللعبة السياسية فظهر أن هناك طموحات شخصية وتآمر أجنبي ورغبة من بعض الأقليات العربية في الحصول على مناصب سياسية رفيعة كما أن هناك جمود في فهم الإسلام واستبداد سياسي، وجهل عقائدي. وعندما نرى بعد قرن نتائج ما حدث نعلم أن رفع أعلام وشعارات التعصب القومي العربي كان كارثة كبيرة على العرب والمسلمين فقد تم تقطيع الأمة العربية بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وحدث استعمار واضح وصريح بعد أن كنا جزءاً طبيعياً في الخلافة العثمانية، ولم يتحقق حلم إقامة دولة إسلامية بقيادة العرب فالشريف الحسين انتهى إلى حكم إمارة شرق الأردن، وتم عزل الإسلام عن الحياة السياسية، فانفتح المجال لكل الأفكار الرأسمالية والشيوعية والعرقية وانقسم العرب إلى معسكرات متناقضة ومتصارعة بالعلن أو بالسر وحتى اللغة العربية التي افتخرنا بها أصبحت كأنها لغة منبوذة لا نحرص على تعلمها، بل نفخر بإتقاننا لغات أجنبية أما نصيبنا من الحرية والعدل والمساواة فأنتم تعرفون حقائقه في أغلب دولنا وكان المفروض أن نكون أذكي بكثير مما كنا، وأن نعرف أن المتاجرة بعروبتنا وشعاراتها وأهدافها كان لعبة سياسية هدفها ضرب إسلامنا ومبادئنا وأخلاقنا ومصالحنا وتاريخنا ولغتنا وأنظمتنا وأمتنا الإسلامية ومع اقتناعي بأن أعداءنا نجحوا بدرجة كبيرة في تحقيق ذلك إلا أنني من المقتنعين بأن عندنا والحمد لله قوة هائلة عقائدية وسياسية وحتى اقتصادية بإمكانها أن تحقق الكثير في فترة قصيرة نسبياً كل ما نحتاجه هو أن نفهم إسلامنا فهماً صحيحاً وأن نلتزم به ومن هذا الالتزام أن نحرص على محاربة التعصب العرقي بكافة أشكاله محاربة شرسة سواء كان هذا التعصب قومياً أو إقليمياً أو قطرياً أو قبلياً أو عائلياً وإذا فعلنا ذلك سنحطم كثير من الحواجز بين شعوبنا وبين أممنا وسيحدث تعاون جاد وكبير إن لم نقل وحدات حقيقية ولنتذكر كعرب أن التعصب العرقي لدى أغلب شعوبنا وحكوماتنا هو من أشد أعدائنا لأنه يمنع زيادة تعاوننا ويمنع فتح الأبواب أمام القدرات والطاقات والفرص العلمية والاقتصادية والثقافية والفكرية ... الخ للانطلاق والنمو وهناك أمثلة كثيرة يمكن ذكرها، وسنكتفي بالقول بأن فتح أبواب العلم والتكنولوجيا في أي دولة عربية طموحه أمام الباحثين العرب سيمكنها من تحقيق قفزات علمية وتكنولوجية هائلة لأن بإمكانها استقطاب عشرات الآلاف من العلماء المتخصصين سواء من أوطانهم أو من العرب المغتربين في أمريكا وأوروبا وما ينطبق على العلم ينطبق على الاقتصاد والإعلام والإدارة والتطور العقائدي وغير ذلك على فالإخلاص للوطن هو في الابتعاد عن التعصب الوطني والشعبي وليس العكس فكل أوطاننا وشعوبنا ستبقي ضعيفة إذا تم عزلها عن أمتنا العربية قال ابن خلدون:"إن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شئ" (101) وقال:"إن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها الدولة، والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وإن وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها"وقال"وبعكس هذا الأوطان الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها ويكون سلطانها وازعاً لقلة الهرج والانتقاض" (102) وقال الأستاذ سعد البزاز:"ستغدو عصبية الدولة مقبولة لو أنها بدت ملتقى تراضي كل العصبيات الطائفية والمناطقية والحضرية والريفية، أما أن تكون الدولة منحازة لإحدى العصبيات فهو أمر ينزع عنها صدقيتها، ويحولها إلى مجرد عصبية متنازعة مع عصبيات أخرى" (103) .
الرابطة العقائدية أولاً