فهرس الكتاب
3-اتصل الإنجليز بمصطفى كمال يوم أن كان قائداً في فلسطين وطلبوا إليه أن يقوم بثورة على السلطنة ، ووعدوه أن يساعدوه على ذلك ، فاتصل مصطفى كمال بقائدين عثمانيين من زملائه كانا يتوليان قيادة جيشين قريبين منه وطلب وفاقهما في الأمر ، فلما سمعا الخبر استعظماه واستنكراه وقالا له: بما أنك لم تحاول العصيان الذي يوجب الإعدام فإننا سنكتم الأمر وننصحك أن تعتبره منسيا (23) .
4-بعد اندحار أللنبي أمام (جمال باشا) في السلط أرسل جمال إلى الأمير (فيصل بن الحسين) قائد القوات العربية يعرض الصلح بين الأتراك والعرب ، وهذا الصلح لو تم لأصبح من شبه المستحيل على أللنبي أن ينتصر على العرب والترك معاً.
قال لورانس: وكان جواب فيصل على تلك المذكرة أنه سيأتي الوقت المناسب لعقد تلك المعاهدة وفي إمكانه ضمان ولاء جيش لجمال باشا إذا أخلى الأتراك (عمان) لحكومة عربية تشكل فيها على الأثر.
قال لورانس: وما أن وصلت هذه الأخبار إلى (مصطفى كمال) الثائر على السلطات التركية فإذا بمصطفى يرجو فيصلا عدم الانصياع لرغبات جمال باشا وطعنه ويعد بالمساندة في حالة نجاحه في إخلاء دمشق لإقامة دولة عربية مستقلة (24) .
وهنا نتساءل ما الذي أوصل هذه المكالمات السرية إلى مصطفى كمال؟ أليسوا الإنجليز؟ ولماذا يجهد مصطفى كمال في منع عقد الصلح الذي هو في مصلحة تركيا؟
أوليس ووراء الكواليس شيء يوعد به مصطفى كمال من قبل الإنجليز؟ وما معنى في حالة نجاحه؟ أوليس نجاحه فيما اتفق عليه مع الإنجليز؟ وهو إسقاط الدولة العثمانية مقابل الوعد والأماني الشيطانية الإنجليزية؟
إن كلام أللنبي ومصطفى كمال واحد يتفق في الهدف والصيغة، إنه ليس كلام قائد تركي يقاتل الإنجليز، إنه كلام قائد يحمي جبهة بريطانيا من الانهيار، ويحرم العرب الأتراك من النصر وهذا الذي حصل.
5-بعد انتصار أللنبي حضر إلى اسطنبول فطلب من الدولة التركية المهزومة أن تعين مصطفى كمال قائدا للجيش السادس قرب الموصل حيث النفوذ الإنجليزي ومنطقة البترول لحماية مصالح الإنجليز وأمنهم هناك (25) .
6-إن مصطفى كمال بعد الهزيمة الكبرى التي كبدها تركيا ، وبعد رجوعه كان على صلة بالقس المشهور (F r ID) فرد الذي كان رئيسا للاستخبارات الإنجليزية في تركيا (26) .
7-كان مصطفى كمال على صلة وثيقة بالسلطان وحيد الدين (محمد السادس) ، وذلك لأنه عين في ربيع سنة (1918م) مرافقاً عسكرياً له ، وكان آنذاك ولياً للعهد ، وأظهر مصطفى كمال آنذاك لوحيد الدين كراهيته للإتحاد والترقي ، وأبدى صلاحاً وحرصاً على مصلحة تركيا ، وسرعان ما أصبح الاثنان صديقين حميمين ، وغدا مصطفى جندياً للأمير وأميناً لسره.
وفي أثناء الحرب مات السلطان محمد رشاد (الخامس) وتولى وحيد الدين الخلافة، فقرب مصطفى كمال ورفع من مكانته، وأرسله وحيد الدين ليتولى مكافحة المستعمرين في الأناضول، وأعطاه مبلغا كبيرا من الذهب (عشرين ألف ليرة ذهبية) (27)
يقول الشيخ مصطفى صبري (28) : لقد شاعت كلمة سمعتها على لسان أحد الإنجليز أن السلطان أراد أن يكيد الإنجليز بمصطفى كمال، فكاد الإنجليز به السلطان.
وفي الأناضول اتفق مصطفى كمال على أن يتولى عن غربي الأناضول ، وأما القائد (كاظم قره بكر) فيتولى الدفاع عن شرقي الأناضول.
قال كاظم: ولكن بعد أن مر (18) يوما على تثبيت هذه الخطة (أي في 3 شباط سنة 1920م) تلقيت رسالة بالشفرة من سيادة مصطفى كمال يقول فيها: ليس هناك مجال للمقاومة المسلحة ضد شروط الصلح الفاسدة إلا في القفقاس... أما في الجهات الأخرى فليس في الإمكان عمل أي شيء فإذا ساعدت تركيا البلاشفة في الاستيلاء على قفقاسيا ، ووحدت جهودها معهم فإن الأناضول -من الغرب إلى الشرق- وكذلك العراق وإيران وأبواب الهند تكون قد فتحت على مصاريعها (29) .
فجاء خليل باشا عم (أنور باشا) إلى أهل أذربيجان (قفقاسيا) وقال لهم: إن تركيا ترغب منكم السماح للجيش الروسي بالعبور لتقديم المساعدة إلى تركيا ، فقال أهل أذربيجان: وقد خدعنا بهذا القول وأدخل الروس علينا دون أن نبدي أي مقاومة ، مع أننا كنا نملك جيشاً وكنا على استعداد للدفاع ، ولكن لم يدعنا ندافع وهكذا دخلنا مرة أخرى تحت السيطرة الروسية (30) .
وكانت هذه خطة إنجليزية ليظهر مصطفى كمال أنه عدو لبريطانيا ، ولقد جاء (راولنسوون-شقيق اللورد كيرزون) وزير خارجية بريطانيا واجتمع مع كاظم وعرض عليه نفس الخطة ، فذهل كاظم للتوافق العجيب والفجائي بين رغبة مصطفى كمال الذي تظاهر بعداوة الإنجليز وبين رغبة الإنجليز أنفسهم (31) .
لقد خطط -راولنسون- وبصفقة متبادلة مع روسيا لذبح الشعب القفقاسي المسلم وألقوا خطتهم إلى عميلهم مصطفى كمال ، ونفذها كاظم باشا وخليل باشا ووقعت القفقاس المسلمة في قبضة الشيوعيين ليذبح أهلها في مفارم اللحم (البلوبيف) ، وليساموا سوء العذاب إلى يومنا هذا منذ نيف وستين سنة ، وليمسح الإسلام من أرضها نهائياً ويجتث منها اجتثاثاً ، وقد ثبت أن العقيد (راولنسون) قد اجتمع مع مصطفى كمال في بيت في أرضروم اجتماعاً في غاية السرية والأهمية دام حتى الصباح (32) .