فهرس الكتاب
وفي المقابل أخبار الانتصارات عن مصطفى كمال متوالية ومتزايدة، كان كمال يصيح بهم (انتصروا) أو دعوا العدو يسحق جثثكم، فكانوا يجيبونه بعاصفة من التصفيق وتنتابهم نوبة من الحماسة الجارفة التي تكتسح من يقف في طريقها.
وهكذا أوقفوا الزحف اليوناني وأخمدوا الثورات المتفرقة التي أشعلها أعوان السلطان ، وحرروا أنقرة من الخطر المحدق بها ، ثم هاجموا (مرعش) وأبادوا حاميتها الفرنسية والأرمن الذين جندتهم ، ثم حطموا شوكة الأكراد ، واكتسحوا القوات الإيطالية الرابضة على طول السكة الحديدية في قونية وهاجموا الحامية الإنجليزية عند السكة الحديدية في (أسكى شهر) ثم طاردوها إلى البحر، واعتقلوا جميع ضباط مراقبة الحلفاء الذين استطاعوا أن يضعوا أيديهم عليهم في الداخل ، واحتفظوا بهم كرهائن مقابل النواب المعتقلين في مالطة.
وكان مصطفى كمال يصب جام غضبه أثناء الخطة على الإنجليز ، هؤلاء الإنجليز سوف يعلمون أننا مثلهم بل أفضل منهم بكثير ، ولسوف يعاملوننا على قدم المساواة ولن نحني لهم هاماتنا يوما سنقف ضدهم حتى آخر نسمة حتى نحطم حضارتهم فوق رؤوسهم.
وبمعاهدات سرية واتفاقات خفية مع أتاتورك يقرر الحلفاء الجلاء عن استانبول ، وكان جيش الحلفاء في قسطنطينية قد خفض إلى بضعة آلاف ، فرسم القائد العام خطته وأعد جميع المعدات على أساس الجلاء العاجل ، فأحرقت المستندات ودمرت المخازن وأتلفت الذخائر ، ولغمت القناطر كي تنسف عند الاقتضاء وربضت سفن الأسطول في الخليج (خليج القرن الذهبي) على تمام الأهبة للرحيل.
بل أكثر من ذلك ، لقد قرر الحلفاء طرد اليونانيين مع أنهم حلفاؤهم من تراقيا (الجزء الأوروبي من تركيا) ، وقرروا الرحيل من تركيا نهائياً وذلك ليقوم البطل بأضعاف أضعاف ما تستطيع أوروبا كلها أن تعمله لو بقيت..!!
المخطط التدميري:
إن هذا المخطط يكشف الصلة الوثيقة المبكرة بين مصطفى كمال وبين الإنجليز والحلفاء، ويبين لك بوضوح سر إبراز مصطفى كمال وانسحاب جيوش الحلفاء.
وقد كشف عن هذه الوثيقة صديقه الحميم وأمين سره (مظهر مفييد قنصوه) في مذكراته فيقول: وفي (7/7/1919م) قرب الفجر وفي أرضروم بالأناضول أسر إلي مصطفى كمال وأكد كثيراً في وجوب كتمان السر وقال: هذا الدفتر سيبقى سرا ً حتى النهاية بيني وبينك وبين ثريا (شوكة ثريا ايدمير) .
وبعد أن أكدنا له حفظ السر قال: إذن فسجل التاريخ أولاً ... قال مظهر فسجلت التاريخ (7/8) تموز سنة (1919م) قرب الفجر بعد أن رأى أنني سجلت التاريخ على الصفحة قال: حسناً أكتب ثم تابع أولا: ستكون الجمهورية هي شكل الحكومة بعد الانتصار، هذه واحدة.
ثانيا: سيؤخذ التدبير اللازم بحق السلطان والعائلة المالكة عندما يحين الوقت المناسب.
ثالثا: سيرفع الستر عن النساء.
رابعا: سيلغى الطربوش وسنلبس القبعة مثل سائر الأمم المتمدنة.
قال مظهر مفيد: هنا سقط القلم من يدي بدون إرادة ، تطلعت إليه كان يتطلع إلي قال لي: لماذا توقفت؟ قلت له: أرجو أن لا تؤاخذني يا باشا إذا قلت لك بأن لك جانباً خيالياً قال لي ضاحكاً: سيكون الزمن هو الحكم في هذا ، أما أنت فاكتب ، استمررت في الكتابة.
خامسا: سنأخذ الأحرف اللاتينية... يكفي يا باشا يكفي.
ثم نفذ البرنامج التدميري ، وبعد أن نفذ بعضه لمح مظهر مفيد ، فقال له: يا عزيزي السيد مظهر مفيد ما هو رقم الفقرة التي وصلنا إليها؟ هل تلقي نظرة على دفتر ملاحظاتك؟ أرأيت كيف يصنع الأبطال؟ أرأيت كيف تكون الضرائب الغالية التي يدفعها الشعب وهم يهتفون لجزاريهم ويصفقون لقاتليهم؟ كم لاقى العالم الإسلامي من هؤلاء الذين صنعت منهم أجهزة الإعلام المعادية للإسلام أبطالاً من صانعي التاريخ ومحركي خط الحضارة للأمة؟ كم ساقت لنا الأقدار من خلال الانقلابات العسكرية بأمثال أتاتورك؟ وكم جادت علينا -وبقدر من العليم الحكيم- بزعانف ورويبضات وأصبحوا يملكون بين أيديهم أقوات الأمة ويتحكمون بمصائرها ، ويحكمون بدمائها وأرواحها وأموالها؟ وكم قاسينا ولا زلنا ممن لا يستطيع إدارة أنفسهم بعد أن أصبح أحدهم بفضل سادته الحاكم الأوحد والزعيم الفذ والقائد الملهم والعبقري الفريد..!!
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها (43) .
وروى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ، وأن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة ، وأن لا أسلط عليهم من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ... (44)