فهرس الكتاب
لقد أعاذ الله هذه الأمة أن يسلط عليها أعداءها، ولو دخلت عليهم من أقطارها وإنما جعل الله هلكة هذه الأمة على أيدي أناس من أبنائها ممن يحملون عناوين المسلمين وشاراتهم وكان مصطفى كمال من هؤلاء الذين أبادوا خضراءها وأهلكوا الحرث والنسل.
وبعد أن أفردنا فصلاً لنبين صلته وعمالته للإنجليز لا بد أن نوضح أنه كان على وفائه مع الإنجليز وحبه لهم إلى درجة العبادة.
وبقي كذلك حتى الموت إذ أنه صمم وهو على فراش الموت أن يوصي برئاسة الجمهورية إلى السفير البريطاني (بيرس لورين) (45) .
وثيقة يوصي بها مصطفى كمال لسفير بريطانيا لورين برئاسة تركيا:
إليكم الوثيقة التي ننقلها بنصها الحرفي من جريدة الأهرام التي قامت بنقلها من جريدة صندي تايمز في يوم الخميس (16) ذي القعدة (1387هـ) المصادف (15) فبراير (1968م) تحت عنوان (كمال أتاتورك يستدعي سفير بريطانيا ليخلفه في رئاسة الجمهورية التركية) .
نشرت (صندي تايمز) أغرب صفحات التاريخ الدبلوماسي بعنوان (كيف رفض رجلنا أن يحكم تركيا) قالت الصحيفة: أنه في نوفمبر (1938م) كان (كمال أتاتورك) رئيس تركيا يرقد على فراش الموت وعلى امتداد (15) سنة حاول أتاتورك بدكتاتورية صارمة أن يجرجر تركيا رغم أنفها ويدخلها إلى القرن العشرين ، ومنع لبس الطربوش والحجاب وحطم سلطان الدين وأدخل نظام اللغة التركية بالحروف اللاتينية.
11-وعندما رقد أتاتورك على فراش الموت كان يخشى ألا يجد شخصاً يخلفه قادراً على استمرار هذا العمل الذي بدأه ، فاستدعى السفير (بيرسي لورين) السفير البريطاني إلى قصر الرياسة في اسطنبول ، أما ما دار بينهما فقد ظل سراً أكثر من ثلاثين عاماً وها هو اليوم يكشف النقاب عنه على يد (بيرزديكسون) عن حياة والده (بيرسون ديسكون) فقد كان بين أوراق (ديسكون) برقية بعث بها (بيرسي لورين) إلى اللورد (هاليفاكس) وزير الخارجية وربما كانت هذه البرقية أغرب وثيقة في التاريخ البريطاني المعاصر على الإطلاق ، ففيها يروي (لورين) تفاصيل مقابلته غير المألوفة مع الديكتاتور المحتضر وها هي الوثيقة: عندما وصلت وجدت صاحب الفخامة يجلس على فراشه تسنده بعض الوسائد ويحيط به طبيب وممرضات ، وما أن دخلت حتى صرف الطبيب والممرضتين قائلاً: إنه سيضرب الجرس إذا احتاج لهم ، وعندئذ بدأ فخامته يتحدث ببطء ولكن بعناية شديدة، وقال لي: إنه أرسل في طلبي لأنه يريد أن يطلب مني طلبا عاجلا راجيا أن أعطيه جوابي عليه بطريقة قاطعة.
ثم قال السفير: لقد كانت صداقتي ونصيحتي إليه هي الوحيدة التي كان يحفل بها ويقدرها أكثر من أية نصيحة أخرى لأنها كانت ثابتة لا تتغير ، وكان هذا هو السبب الذي جعله يستشيرني في مناسبات متعددة.. بحرية تامة كما لو كنت وزيراً في مجلس الوزراء التركي، ثم قال: وقد كان من سلطاته (كرئيس للجمهورية) أن يختار خليفة له قبل وفاته، وقد كانت أخلص رغبة له أن أخلفه في منصب الرئيس ومن ثم فقد كان يريد أن يعرف رد فعلي لمثل هذا الاقتراح، ثم بعد التفكير العميق اعتذر السفير وشكر العميل الذي ظهر عليه التأثر، ومال بظهره إلى الوسائد.
12-وعندما كان أتاتورك في معركة مع مجلس النواب لإعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة هاجم أحد النواب (الكولونيل خليل) عصمت اينونو، فقتله أحد أنصار مصطفى كمال برصاصة في المجلس.
هاجم النائب (علي شكري) سياسة مصطفى كمال فخنقه (عثمان آغا) رئيس حرس أتاتورك وكشف الأمر فتأزم موقف مصطفى كمال كثيراً فأقال عصمت اينونو من رئاسة الوزراء -وعين فتحي أوفيار- لكن المعارضة ازدادت حدة فتحرج موقف أتاتورك وبقي في قصره كسيراً حزيناً وغارقاً في الخمر (46) .
وهنا تحركت بريطانيا لإنقاذه (فطالب بالموصل) فأعطته فرصة لتجميع الناس ضد العدو الخارجي (بريطانيا) ، وكذلك ثار الأكراد في الشرق، ولا ندري هل حركها الإنجليز لإنقاذ أتاتورك، ولكن الثابت أنه استغل تلك الثورات لصالحه.
لقد صاح في الشعب: إن تركيا في خطر فالعدو الأجنبي الأصيل -إنجلترا- يظاهر الأكراد ويمدهم بالمال والسلاح (47) .
هذه أنجح طريقة لإنقاذ العملاء عند اهتزاز الأرض تحت أقدامهم، ولذلك رأينا كيف عاد أتاتورك بهذه المسرحية القائد الأوحد.
يقول آرمسترنج (48) : وهب كل تركي ليمتشق السلاح وصهرت وطنيته الشعب كل الخلافات السياسية والمقاومة الدينية وانهالت على الغازي من كل أنحاء تركيا ومختلف طبقاتها برقيات الولاء والتطوع بتقديم العون المطلوب، فإن تركيا في خطر والغازي وحده هو الذي يستطيع أن ينقذها..!!
كانت مسرحية كتلك المسرحية مع اليونان، ولذا بعد أن أخمدت الثورة، شكل محاكم الاستقلال التي أمعنت في الشنق والنفي والسجن والتعذيب، وشنق (46) من زعماء قبائل (ديار بكر) كان آخرهم (الشيخ سعيد) اتخذ هذه الثورة ذريعة لتصفية المعارضة واتهمهم بالاتصال بالإنجليز، فأثار النواب ضدهم ففروا من البلاد، وأقرت الجمعية الوطنية وقف الدستور وتخويل الغازي سلطة كاملة لإنقاذ البلاد.