فهرس الكتاب
ولا ينقضي عجبك وأنت تتملى هذه الاتهامات في بلد محمد الفاتح والسلطان عبد الحميد ومركز الخلافة، التي بقيت حصناً شامخاً ومنارة سامقة تجمع شتات المسلمين ويهتدي بنورها المدلجون على طريق هذا الدين.
18-إن الغرب وعلى رأسه أمريكا بعد أن ربح هذه الصفقة الضخمة في تركيا على يدي أتاتورك لا يمكن أن يفرط فيها بسهولة، ولذا فقد جعل من شخصية أتاتورك إلهاً لا بد للجماهير أن تخضع إليه وأن تركع بين يدي ذكر اسمه، ولو بعد نصف قرن من تعفنه، ومن هنا فالمساس بشخصية أتاتورك جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، وحرمة أتاتورك في الدستور تعتبر أقدس المقدسات تقدم على إجلال الله تعالى وحرمة نبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذا كيد البشر وكيد الله أعظم وبطشه أشد.
(إنهم يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا، فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) (الطارق: 15-17)
19-إن الشعب التركي عريق التدين وجذور هذا الدين عميقة في عروقه، ولا يمكن لبشرة أو دمل ظهر على جلده مثل أتاتورك أن يغير طبيعته أو يقلب كيانه، ولن ينسى الشعب التركي أنه حكم رقعة كبيرة من المعمورة خمسة قرون بالخلافة والإسلام، وأنه عاد حسيراً ذليلاً في ذيل قافلة البشرية بقومية أتاتورك وعلمانيته، حتى وصلت الديون على الدولة سنة (1979م) سبعة عشر ملياراً من الدولارات.
20-ولذا فالشعب التركي راجع إلى الله مهما طال الزمان، وفي تركيا الآن مئات الألوف من الجيل الناشئ من حفظة القرآن الكريم حفظاً يأخذ بالألباب، إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها.
(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 30)
أصداء الحركة الكمالية وانعكاساتها على العالم الإسلامي
من المعلوم أن مصطفى كمال كان من أعضاء (جمعية الإتحاد والترقي) التي كان يتزعمها أناس ليسوا بأتراك ولا مسلمين أصلا ، أمثال أنور باشا (بولندي) وجاويد (يهود الدونمة) وكراسوا (يهودي إسباني) وطلعت باشا (غجري) وأحمد رضا (مجري) .... إلخ، وكلهم من الماسونيين.
وقد جاء مصطفى كمال إلى الحكم بعد معاهدة لوزان التي اشترط فيها كرزون (مستشار الخارجية البريطانية) عليه أن يهدم الخلافة وأن يسحق أي محاولة لإعادة الخلافة وأن يهدم الشعائر الإسلامية وأن يتخذ قانوناً أوروبياً بدل الشريعة الإسلامية، فسخر حياته في الحكم من سنة (1922م) إلى سنة (1938م) لتنفيذ هذه المبادئ، فمنع الأذان بالعربية، وحول الأحرف العربية إلى اللاتينية، وفرض لبس القبعة ومنع اللباس الشرعي، وحول مسجد أيا صوفيا إلى متحف.
ومات كمال أتاتورك وواصل عصمت إينونو نفس الخط، وعندما ظهر أخيراً حزب السلامة الإسلامي وعقد زعيمه (نجم الدين أربكان) مؤتمر قونيه، وحضره قرابة مائة وخمسين ألفاً خافت أمريكا على الكمالية، فقام الانقلاب العسكري ليضرب الاتجاه الإسلامي وليحافظ على الخط الكمالي المدمر.
وتتلخص إنجازات الحكومة العسكرية بنحت تماثيل لكمال وتوزيعها في كل مكان، ويمكن تلخيص التجربة الكمالية بالنقاط التالية:
1-إن التجربة كانت تنفيساً لأحقاد الغرب الصليبي على المسلمين نفذها هذا المسكين الضائع طمعاً في الدنيا وإشباعاً لجنون العظمة عنده.
يقول توينبي (84) : من المؤكد أننا لم نكن نحب التركي التقليدي المسلم المتحمس الذي كان يثير حنقنا عندما ينظر إلينا من أعلى على أننا (فرنسيين زناديق) .
حاولنا أن نحط من كبريائه إلى أن استطعنا أخيراً أن نحطم سلاحه النفسي، وحرضناه على القيام بهذه الثورة التي استهلكها الآن أمام أعيننا.
والآن وبعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلاً لنا وللشعوب الغربية من حوله، الآن نحس نحن بالضيق والحرج بل ونميل إلى الشعور بالسخط والحنق، وللتركي أن يردد الآن (لقد نفخنا معكم في القرب فلم ترقصوا وحزنا فلم تبكوا) هذا قول توينبي، وصدق الله العظيم:
(كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) (الحشر: 16)
(إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب) (البقرة: 166)
2-إن مصطفى كمال كنس الشريعة نهائيا -على حد تعبير توينبي- من تركيا.
3-إنه حاول أن يصنع تركيا قطعة من باريس أو لندن، فما نقل منهما سوى الفساد والتفسخ وليته نقل الصناعة والعلوم.
4-إنه أقام هوة عميقة بين التركي والعربي كما يقول كانتول سمث (85) .
5-إن الأصابع اليهودية كانت وراء الحكومة منذ البداية، يقول ونستون ستون (86) : إن أصحاب العقول المحركة وراء الحركة - الإتحاد والترقي- كانوا يهوداً أو مسلمين من أصل يهودي، وأما العون المالي فكان يجيء لهم عن طريق الدونمة ويهود سالونيكا الأثرياء، ولذلك فإن اليهود مع الغرب يحاولون أن يسموا التدمير الكمالي باسم الإصلاح الإسلامي، وهذا مما لا ينقضي منه العجب، يقول (سمث) : إن تسمية الإصلاح الكمالي (فسق وانحراف) وهم (87) .