فهرس الكتاب

الصفحة 17049 من 27364

وإذا أخذنا نناقش المادية الجدلية والمادية التاريخية فيجدر بنا أن نركز الحديث على قضايا أساسية معينة ، تندرج تحتها القضايا الأخرى كلها . وهذه القضايا الرئيسية هى: التفسير المادى للخالق ، والتفسير المادى للإنسان ، والتفسير المادى للقيم المحيطة بحياة الإنسان في الأرض .

فإذا اتضح لنا وجه الحق في هذه القضايا الرئيسية فإن القضايا الفرعية المترتبة عليها تكون أيسر فهما وأقل حاجة إلى النقاش .

أولا: التفسير المادى للخالق:

المادة أزلية أبدية:"لم يكن هناك وقت لمو تكن المادة فيه موجودة . ولا يجئ وقت لا تكون فيه موجودة".

والمادة هى الخالق . هى التى خلقت الحياة والإنسان:"الإنسان نتاج المادة".

أى شئ من صفات الله لم يلحق بالمادة ؟ إلا القصد والتدبير والحكمة . وإلههم الذى يدعونه لا حكمة له ولا قصد ولا تدبير !

لا شك أن ماركس وإنجلز وأضرابهما لم يكونوا أو الملحدين في أوربا . فقد كانت موجة الإلحاد قد تفشت من قبل بين العلماء والمفكرين من جراء مفاسد الكنيسة وعبثها بدين الله .

ومن قبل قال دارون: إن الطبيعة تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق . وقال: إن الطبيعة تخبط خبط عشواء !

ومذهب عبادة الطبيعة - لا يزيد كما أشرنا من قبل - على أن يكون مهربا وجدانيا من إله الكنيسة الذى تستعبد الناس باسمه وتستذلهم وتبتز أموالهم وتحجر على عقولهم وأفكارهم ، إلى إله آخر له معظم خصائص الإله الأول ، ولكن ليست له كنيسة ولا التزامات ، وعباده أحرار فيما يصنعون بأنفسهم لا سلطان لأحد عليهم .. إلا الهوى والشهوات!

ولكن الطبيعة على أى حال كانت تمثل في وجدان عبادها شيئا حيا ، مبهما غير محدد السمات ، يرون"مظاهره"فى الجبال والأنهار والأشجار والأزهار والمطر والرياح والبرق والرعد والإنسان والحيوان .. أما القدرة على الخلق وإعطاء كل شئ صورته التى هو عليها ، وتنسيق وظائف كل كائن بما يلائم ظروفه .. إلى آخر تلك الصفات التى هى في حقيقتها صفات الخالق: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) } [سورة طه 20/50] .. وقد كانت تضفى على الطبيعة بصورة أقرب إلى خيال الفن منها إلى واقعية الفكر فضلا عن واقعية العلم .. صورة سحرية مبهمة غامضة لا تستطيع أن تمسك بها أو تحددها ، ولكما حاولت تحديدها أفلتت منك ، لأنها بطبيعة الحال وهم لا حقيقة له ، وعبادها أنفسهم لم يخرجوها من دائرة الوهم إلى نور الفكر المجدد للسمات والصفات .

ورغم أن الكلمة جرت على ألسنة العلماء كأنها حقيقة فلا شك أنها كانت عندهم - كما كانت عند غيرهم - مهربا وجدانيا أكثر مما هى عقيدة حقيقية .

كانت وثنا يلجأون إليه: يلقون إليه بحيرتهم ودهشتهم كلما فاجأهم سر من أسرار الكون العجيبة التى تشهد أن لا إله إلا الله .. فيهربون عنده من الإقرار بما يجول في صدورهم ولا يريدون الإقرار به حتى في سرهم وخلوتهم مخافة أن تلحق بهم الكنيسة فتوقعهم في قبضتها ، ويحسبون أن الاحتماء بهذا الوثن سيخلصهم من حيرتهم وينقذهم منها وهيهات !

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [سورة النمل 27/14]

ولو أنهم كاشفوا أنفسهم بدلا من مغالطة أنفسهم بالوهم ، لسألوا أنفسهم هذا السؤال البدهى القريب: ما الطبيعة على وجه التحديد ؟ وأين تكمن قدرتها على الخلق ؟ في أى مكان منها ، أم ليس لهذه القدرة مكان ولا حيز ؟

فإذا لم تكن محسوسة ولم يكن يحدها المكان ولا الحيز ، وكانت"غيبا"لا تدركه الأبصار ، إنما تدرك أثاره فقط ومظاهره ، فما الذى يبرر في منطق العقل أن نعدل عن الاسم الحقيقى ، اسم الله ، ونلجأ إلى مسميات ما أنزل الله بها من سلطان ؟ أو - إن كان الله في منطق الإلحاد لا حقيقة له - فما الذى يبرر - في منطق العقل أو في منطق العلم - أن يقول قائل إنه ليس حقيقة حين يكون اسمه الله جل جلاله ، ثم يكون هو ذاته حقيقية حين يكون اسمه"الطبيعة"؟ !

أهو الخوف من الكنيسة وطغيانها ؟

أو هو البغض لها والحقد عليها ؟

فليكن !

فلنهجر الكنيسة ونفر منها إلى الله الحق ، وهو إله لا كنيسة له في الحقيقة ولا رجال دين !

ولكن أوربا الجاهلية لم ترد أن تدخل الإسلام .. ففرت من جاهلية الكنيسة إلى جاهلية لا تقل سوءا ولا انحرافا .. إن لم تكن أشد !

هذه هى الطبيعة التى"تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق"والتى"تخبط خبط عشواء"! لم تكن قط في يوم من الأيام"حقيقة علمية"إنما كانت مهربا من أزمة فكرية روحية في ذات الوقت ، واجهت أوربا وحدها - لظروف محلية عندها - ولم تواجه الفكر البشرى في مجموعة ولا الضمير البشرى !

أما المادة الأزلية الأبدية الخالقة فما قصتها ؟

وكيف نناقشها مناقشة"علمية"؟ !

دع جانبا ما يصار يعلمه صغار الطلاب في المدارس من أن القول بأن"المادة لا تفنى ولا تستحدث"لم يعد صحيحا من الوجهة العلمية ، وهو القول الذى تصيدوه تصديا في نهاية القرن الماضى ليبنوا عليه تفسيرا"علميا"! للكون والحياة والإنسان , ولقضية الألوهية كذلك !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت