فهرس الكتاب

الصفحة 17051 من 27364

يقولون إن الإنسان نتاج المادة ! فكيف نتج عن المادة ؟ من الذى أنتجه ؟ وكيف استطاع - وهو ناتج عن المادة - أن يسطير عليها ويتحكم فيها ؟ !

وإذا قلنا إن المادة"تطورت"فأصبحت مادة حية ، ثم تطورت فصارت إنسانا . فهل هذا يحل الإشكال من الوجهة العلمية ؟ !

كيف تطورت ؟ ! ما الذى جد على طبيعتها - فجأة - فتطورت إلى مادة حية بينما هى كانت - في زعمهم - موجودة على صورتها منذ الأزل ؟! وحين تطورت فلماذا لم تتطور كلها إلى مادة حية ! لماذا بقيت كميات هائلة من المادة لم تتطور من قبل ولا من بعد ؟! ولماذا حدث التطور في اتجاه الحياة بالذات ؟ ولماذا حدث مرة واحدة ثم توقف ، فلم تعد ذرة واحدة من المادة الجامدة تتحول إلى خلية حية مهما بذل معها من التجارب ومهما تغيرت من حولها الظروف ؟

وحين تطورة المادة الحية - تلقائيا ! - فأصبحت - في أعلى حالات تطورها - إنسانا ، فلماذا توقفت في التطور عند الإنسان ولم تتطور إلى ما هو أعلى منه ، مع أن التطور - في زعمهم - قانون من قوانين المادة ، والقوانين لا تتوقف عن العمل . وإلا فهى ليست قوانين !

ومن ناحية أخرى كيف تسنى للمادة المتطورة - التى هى الإنسان - أن تسيطر وتتحكم في المادة التى نتجت عنها مع أن هذا ليس من قوانين المادة ! فالقانون - المزعوم - هو تطور المادة ، وليس سيطرة المتطور من المادة على غير المتطور منها !

وهكذا نصل - علميا - إلى ذات الطريق المسدود ، سواء سرنا مع المادة الأزلية الأبدية عن طريق الخلق أو طريق التطور الذاتى ، ولا نجد هذا"العلم"يفسر لنا شيئا على الإطلاق !

إننا لن نستطيع - مهما حاولنا - أن نمسك بهذا الهراء لنضعه على مائدة البحث العلمى . لأنه لا يتماسك حتى يوضع على مائدة البحث ! وإنما نستطيع أن نفهمه في حالة واحدة إذا أخرجناه تماما من دائرة العلم ، ونظرنا إليه من زاوية الهدف المقصود منه ، وسنجد أن هذه هى الوسيلة الصحيحة والميسرة لفهم كل"معطيات"المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ . إنها - في الغالبية العظمى منها - ليست منطقية في ذاتها ولكنها منطقية مع الهدف المقصود منها .

أى أن النتيجة المطلوبة توضع أولا ، ثم تساق الأدلة إليها سوقا وتحشر إلى جانب بعضها البعض حشرا ، سواء كانت متناسقة أ متنافرة ، سواء كانت مؤدية بالفعل إلى النتائج المطلوبة أم غير مؤدية ! إنما تلوى رقاب الأدلة ليا لتؤدى - بالقوة - إلى الهدف المطلوب ، ثم يقال للناس إنها نطرية"علمية وتفسير"علمى !

المطلوب أولا هو نشر الإلحاد الكامل الذى لا رجعة منه ، وإزالة أى أثر من أثار الدين يمكن أن يكون مندسا هنا أو هناك ، وإزالة أى أثر لتوفير"الخالق"من النفوس""

فحتى تسمية الخالق بالطبيعة - وهو المهرب الذى هربت به أوربا من إله الكنيسة كما أشرنا من قبل - لم يبد كافيا في نظر المخططين لاستحمار الامميين ، وكان في حاجة إلى خطوة"تقد=مية"أخرى تتقدم به نحو اله\ف المطلوب .

فمع الإلحاد المتمثل في نفس الخلق عن الله ونسبته إلى الطبيعة كانت ما تزال هناك"وجدانات"تنبض تجحاه ذلك الخالق تخرج أحيانا في صورة فن ، وأحيان في صورة توقير لقوة أعلى من الإنسان . ويخشى إذا بقيت الأمور عند هذا الحد أن تتعقل البشرية ذات يوم وتكف عن مغالطة نفسها ، وتعود إلى الله (1)

ولكن يراد إزالة هذه البقية الباقية تماما .. فيتحول الخالق إلى مادة ويقال للناس: لا لإله ! والكون مادة !

فإذا انتفى وجود الله تماما - بزعمهم - ولم يعد هناك إلا المادة ، فالمادة لا تثير الوجدان ولا تستحق التوقير ، ومن ثم يتخلصون من ذلك العدو المرهوب ، الذى لا يخافون من شئ على الإطلاق خيفتهم منه .. ألا وهو الدين !

والمطلوب ثانيا - كما سنرى في الحديث عن القضية الثانية - هو تحقير الإنسان وإزالة الكرامة عنه ، فإنه إذا أحس بكرامته فسيصعب بكوبه كما تركب الحمير ، لأنه سيكون معتزا بإنسانيته غير قابل للإنسياق كالدواب .

ووسائل التحقير كثيرة كما سنراها في القضية الخاصة بالتفسير المادى للإنسان .. ولكن في مقدمتها جميعا نفى الخلق عن الله سبحانه وتعالى - ونفى وجود الله في الحقيقة - وجعل الخالق أو"المنتج"للإنسان هو المادة !

إن الإنسان يستمد وجوده من إلهه وخالقه ، ويستمد قدره من قدر ذلك الإله .

فحين يكون الخالق المعبود هو الله الحكيم المقدر يكون الإنسان رفيع القدر بتكريم الخالق له - سبحانه - ومستعليا بالإيمان بخالقه العلى العظيم . أما حين يتدنى الخالق حتى يصبح هو المادة ، فإن الإنسان يتدنى معه حتى يصل أسفل سافلين !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت