بقي أن يعلم القارئ الكريم: أن كلية الشريعة وأصول الدين هي البقية الباقية من جامع الزيتونة الذي تأسس في القرن الهجري الأول، وكان طوال التاريخ الإسلامي مركز إشعاع علمي في إفريقيا والأندلس وأوربا.. ويكفي أن نعلم أن من طلبته في العصر الحديث: شيخ علماء الجزائر ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وآل عاشور، وغيرهم من فحول العلماء الذين علّموا الشعب التونسي المسلم العريق كيف يحارب الاستعمار الفرنسي الغاشم، ولماذا يرفض جنسيته التي تنص على أن تونس جزء من الأراضي الفرنسية، وفرنسا بلد علماني وهذا يعني التخلي عن أمور معروفة بالضرورة في الدين الإسلامي.
عجز الاستعمار الفرنسي رغم إمكاناته الهائلة عن النيل من صمود علماء الزيتونة، ونجح بورقيبة وخلفه في تحقيق الحلم الفرنسي، فشرد علماءها، وحولها إلى جامعة ممسوخة، وحدد عدد القبول فيها، وفرض الاختلاط بين الجنسين، ورافق ذلك فرض السفور على الطالبات.. ثم كان أمر مباراة السباحة الآنفة الذكر.
ونختم هذا الحديث عن بقايا جامع الزيتونة بالخبر الآتي الذي نشرته مجلة حقائق التونسية بعددها (379) :
"أحيت الفنانة الصاعدة منيرة حمدي سهرة فنية رائعة!! في رحاب معهد أصول الدين التابع للجامعة الزيتونية، وفي نفس السياق وتلقيحاً للطلبة ضد التطرف تمتع الطلبة بمشاهدة الألعاب السحرية للمنوم المغناطيسي الشهير حمّادي بن جاب الله الفرشيشي".
وإذا كان هذا هو أمر معهد أصول الدين بالجامعة الزيتونية، فلا عجب أن تكون حصص الرياضة مشتركة بين الجنسين في معاهد الدولة وثانوياتها، ولابد في هذه الحصص من التعري إلا ما يستر العورة الغليظة، كما أنه لابد من ممارسة حركات وألعاب مخجلة.
ولا عجب أن تبث القنوات التونسية الداخلية برامج جنسية ممنوعة حتى في بعض دول أوربا الغربية.
ولا عجب أن يعتبر قانون الوظيفة العمومية اللحية وسخاً ودَرَناً لا يليق بمظهر الموظف التونسي.
ولا عجب من إلغاء نظام القضاء الشرعي، وحل الأوقاف الشرعية وتأميمها، وإلغاء فريضة الصيام.. كما أنه لا عجب أن يكون خلف بورقيبة أسوأ منه [8] .
2 -المساجد: مما لا جدال فيه أن دور العبادة في الأنظمة العلمانية الغربية مستقلة لا يجوز للحكومات التدخل في شؤونها وفرض تعليمات إدارية أو دينية عليها، ولا يجوز لها التدخل في شؤون السياسة والحكم.
أما في بلادنا، فتطبق العلمانية بمفهومها الصحيح على دور عبادة غير المسلمين من النصارى واليهود وأديان أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، وإذا حدث تجاوز حكومي على أحد هذه الدور، غضبت لغضب هذه الدار أمم وأجهزة شتى من مختلف بلاد العالم، ولا تزال تستنكر وتنذر وتتوعد في السر والإعلان حتى يزول هذا التجاوز، وإننا بهذه المناسبة نذكّر بنظام الامتيازات التي فرضته الدول الغربية على الدولة العثمانية، وفي ظل هذه الامتيازات تمتع النصارى في كنائسهم ومدارسهم بحقوق ما كان المسلمون أنفسهم يحلمون بها ولا تزال آثار هذه الامتيازات باقية بشكل مباشر أو غير مباشر.
أما مساجد المسلمين وأوقافهم فليس للقائمين عليها من العلماء حق في إدارتها، بل الحق كل الحق للنظام العلماني، والعاملون فيها من الخطباء والمدرسين ليسوا أكثر من موظفين يتلقون التعليمات والأوامر من مسؤولي وزارات الأوقاف، وإذا خالف أحد الشيوخ هذه التعليمات ذاق عياله مرارة الفاقة والحرمان على أقل التقديرات، وهذا يعني طرده من عمله ومنعه من الوعظ والتدريس والخطابة في المساجد، ومن المؤسف أن الشيوخ ليس لهم دخل ينفقون منه على عيالهم إلا هذا الراتب الشهري الضئيل الذي يأخذونه من وزارة الأوقاف، ولهذا فهم يفكرون ملياً قبل اتخاذ موقف يحرمهم من هذا الراتب.
الأنظمة العلمانية لابد وأن تختار وزراء الأوقاف من نفس الفصيلة التي ينتمون إليها أو أن يكون موظفاً مطيعاً لرئيس الدولة ولو كان عنده بعض التدين، وطاعة النظام ورئيسه تقتضي محاربة كل نشاط دعوي وأخلاقي إذا كان له تأثير قوي على رواد المساجد، ونضرب المثال الآتي على ذلك:
نلحظ أحياناً أن نشاطاً دعوياً إصلاحياً يشق طريقه إلى بعض المساجد في بلد ما دون أن يكون اتفاق مسبق بين أئمة هذه المساجد، وقد لا يعرف أحد منهم الآخر.. والشاهد هنا أن هذا النشاط يسترعي انتباه عامة الناس وخاصتهم، وتزدحم هذه المساجد والساحات المحيطة بها بالمصلين الذين يأتي عدد كبير منهم من أحياء بعيدة عن هذه المساجد، ويأتون أيضاً من مدن أخرى، ومن بين الوافدين المصلين لصوص، ومجرمون، ومدمنون على المخدرات، كتب الله - جل وعلا - لهم الهداية على أيدي هؤلاء العلماء الأفاضل الذين عمروا مساجدهم بالعلم والورع والتقوى، والكلام الذي يخرج من قلوب نقية طاهرة لابد وأن يصل إلى قلوب الناس.