فهرس الكتاب

الصفحة 1710 من 27364

الأنظمة العلمانية في بلادنا لا تقبل هذه الظاهرة التي تهدد وجودها واستمراريتها، وتخشى من انتقالها إلى مساجد ومدن أخرى فيؤدي ذلك إلى فقدانها زمام الأمور، ولهذا تسارع إلى إصدار أوامرها الفورية بإبعاد هؤلاء العلماء عن مساجدهم، وتمنعهم من الوعظ والتدريس في جميع المساجد والمؤسسات العامة، وليس مهماً أن يتم هذا الإبعاد دفعة واحدة أو على مراحل، ثم تعمد بعد دراسة متأنية إلى تعيين صنف آخر من الدعاة في هذه المساجد من الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم وأسرهم ورواتبهم التي يتقاضونها في نهاية كل شهر. ويتجنبون كل قول أو فتوى تغضب الجهات الرسمية المسؤولة عنهم.

وطاعة الأنظمة العلمانية والانقياد لها في تدريس القرآن والسنة والعقائد لابد وأن يتعارض مع طاعة الله - سبحانه وتعالى-، كما أن الإيمان بالله الواحد الأحد لابد وأن يصاحبه الكفر بكل ما يعبد من دون الله من أوثان وأصنام وطواغيت.

والذي يحدث فيما بعد أن معظم الجمهور الذي كان يرتاد هذه المساجد ينفض عنها، وتخفت جذوة الإصلاح في غياب دعاتها الذين فرض عليهم الحصار، مع أنهم كانوا من خلال دروسهم ومواعظهم يتجنبون إثارة أية مشكلة مع الأنظمة.

ثم يتكرر هذا المشهد في مساجد أخرى، ويدرك كل من يتابع هذه الظاهرة بأن الذين يطاردون العلماء المصلحين، ويضيقون الخناق عليهم، ويبعدونهم عن مراكز الدعوة والتوجيه يحققون من وراء ذلك هدفين:

الأول: فتح الباب على مصراعيه أمام دعاة الغلو والتطرف من جهة، وأمام دعاة النفاق والمداهنة من جهة أخرى وكلاهما شر مستطير ومنزلق خطير.

الثاني: نشر الفساد والميوعة والإلحاد، وفي غياب أهل الحق والإصلاح يخلو الجو أمام دعاة الشر والإجرام، فكيف إذا كان في أجهزة النظام من يدعو إلى ذلك جهاراً نهاراً.

3 الديموقراطية: ممارسة الديموقراطية عند الأوربيين حق لكل مواطن، ومثل ذلك تأسيس الأحزاب والجماعات، وإصدار الصحف والمجلات، وقد تصدر هذه الصحف في أكثر هذه البلدان دون أخذ ترخيص مسبق من الحكومة.

وليس من حق أية حكومة منع تأسيس أي حزب معارض لها سواء كان تأسيسه قائماً على أساس ديني أو غير ديني، ويستطيع هذا الحزب مقاضاة أكبر شخصية حكومية إذا أصدرت قراراً أو اتخذت إجراء يضر بمصلحة هذا الحزب، والقضاء يقول كلمة الفصل في القضية المثارة لأنه مستقل وليس للحكومة أي تأثير عليه.

وفي كل من إيطاليا وألمانيا لعب الحزبان المسيحيان دوراً مهماً في سياسة هذين البلدين، وخاصة بعد أن تمكنا في فترات مختلفة من الحصول على الأكثرية في الانتخابات"البرلمانية".

ولكن الأمر في بلادنا يختلف، لأن شريعة هذه الأنظمة لا تسمح بقيام أحزاب سياسية على أساس ديني، أما الجمعيات الخيرية فهناك قيود مشددة تصل إلى حد عدم السماح لأي منها إلا إذا كانت تخدم مصلحة النظام، وقل مثل ذلك في شأن إصدار الصحف والمجلات.

وإذا كان قد جاء حين من الزمن سمحت فيه بعض الحكومات بقيام أحزاب إسلامية، فلأن هناك معلومات مؤكدة لدى الذين منحوا الترخيص لها تشير إلى أن دور هذه الأحزاب سيكون ثانوياً ولن يمكّن من الحصول على الأكثرية في الانتخابات التشريعية وعندهم من الوسائل ما يساعد على ذلك:

منها: أن الديموقراطية في بلادنا تصاغ حسب مزاج الحاكم وبطانته، وإذا تغيّر المزاج تغير معه قانون الانتخابات.

ومنها: أن تزوير الانتخابات هو الأصل في هذه المسألة، وعدمه هو الاستثناء.

وإذا خرق الحزب الإسلامي هذه القيود كلها وحصل على الأكثرية التي تمكنه من الانفراد في الحكم، فإن الجيش وقوات الأمن ستكون له بالمرصاد، وتتحرك على الفور، فتفرض الأحكام العرفية، وتلغي الانتخابات، وتقيل الحكومة التي أشرفت على الانتخابات، وتتقلد شؤون الحكم، وفي ظل أحكامها العرفية الجائرة تبدأ بمطاردة الإسلاميين ومنعهم من أي نشاط سياسي لأنهم أعداء ألداء لدستورهم العلماني، وموقفهم هذا يشمل جميع الأحزاب والجمعيات الإسلامية دون أي تفريق بين الذين يعملون في المجال السياسي وبين الذين يقتصر نشاطهم على الأعمال الخيرية والتعليمية.. وإذا تأكد العسكريون من نجاحهم في سحق الحزب الإسلامي فقد يسمحون بقيام ديموقراطية مزيفة لا مجال فيها لوجود أحزاب إسلامية.

ومما لا يثير أي استغراب عند الذين يتابعون الأحداث أن جميع الأحزاب والشخصيات العلمانية تتوحد فيما بينها رغم ما بينها من إحن ومكائد ضد المشروع الإسلامي، وتستقبل الانقلابات العسكرية بالتأييد لأنه سيريحها من هذا الذي تراه كالكابوس أو أشد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت