وكذلك لا يتنازعون فيما بينهم - بعد إلغاء السبب الوحيد في النزاع والصراع ، وهو الملكية الفردية - فيستتب ، لأمن تلقائيا نتيجة سيطرة مشاعر المحبة والآخاء والتعاون بين الناس .
وهكذا تسقط كل مهام الحكومة الحاضرة .. فتسقط إلى غير رجعة !
ذلك عرض موجز لأهم المبادئ والأسس التطبيقية التى تقوم عليها الشيوعية ، لم نر داعيا إلى التوسع فيه بعد ما توسعنا في مناقشة الأسس الفكرية التى تقوم عليها النظرية . ويتبين من هذا العرض أن الشيوعية ليست مذهبا اقتصاديا مجردا يمكن نزعة بمفرده وتركيبه في أى نظام آخر لا يشترك معه في قاعدة التصور . فقد تبين من هذه النقاط أنها لا تقتصر على المجال الاقتصادى ، بل تمتد إلى المجال السياسى والاجتماعى والدينى والفكرى .. الخ .
وبصرف النظر عن قولهم إن هذه المجالات كلها إن هى إلا انعكاس - حتمى - للوضع الاقتصادى ، وقولنا إن هذه المجالات كلها أوجه مختلفة - ولكنها متلازمة - لموقف معين من قضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان ، فإن الشيوعية - على القولين - لم تكن ولن تكون نظاما اقتصاديا بحتا مقطوع الصلة ببقية المجالات ، إنما هى نظام شامل للاقتصاد والسياسة والاجتماع والدين والفكر والفن .. مترابط كله على أساس تصور معين .. مادى بحت .
بين النظرية والتطبيق
نضرب الذكر صفحا عن التناقض بين سخرية الشيوعيين بالحق والعدل الأزليين ، وبين قولهم في النظرية الشيوعية إن استغلال إنسان لإنسان ظلم ينبغى إزالته .. وبين نفيهم أن هناك أصلا ثابتا للكيان البشرى ينبغى أن يرد إليه ويقاس به ، وقولهم إن صورة الحياة في الشيوعية الأولى - بكل ما تحويه من ملكية جماعية ومساواة ولا طبقية وتعاون .. الخ - هى الأصل الذى ينبغى أن تعود البشرية إليه ، والذى تسعى الشيوعية الثانية إلى الرجوع إليه لتعيش البشرية في سلام !
نضرب صفحا عن ذلك التناقض لأننا قلنا في مناقشتنا للتفسير المادى للتاريخ إنه ليس مبادئ حقيقية يؤمنون بها عن اقتناع"علمى"إنما هى مجرد وسائل لغايات ، والغايات هى المطلوبة ، والأدلة تساق سوقا وتحشر إلى جانب بعضها البعض حشرا سواء كانت متناسقة مع الغايات أو غير متناسقة .. ولا حرج عليهم أن تتناقض الأدلة ، فإذا كانت الغاية هى القول بأن الأوضاع الاقتصادية هى الفاعلة وليس الحق والعدل قيل ذلك ، وإذا كانت الغاية هى نفى الملكية الفردية بوصفها نزعة فطرية قيل إنه لا فطرة ولا أصل ثابتا للإنسان ، وإذا كانت الغاية تبرير مجئ الشيوعية الثانية قيل إن الشيوعية الأولى تمثل الأصل الذى ينبغى أن تعود إليه البشرية .
ندع هذا جانبا لأ[نه لن يزيد الصفحة سوءا . إنما نشير بادئ ذى بدء إلى أن النظرية الشيوعية - والتطبيق كذلك - قد نقضا كل"القشرة"السياسية والاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية ، وأنشأ قشرة مختلفة عنها (1) "فيما عدا أمرين اثنين: إقصاء الدين عن الحياة ، والفوضى الجنسية ، فقد رضيت عنهما الشيوعية رضاء تاما وزادت في جرعتهما حتى نصت على الإلحاد نصا في الدستور السوفيتى ، فقالت:"لا إله . والكون مادة"ونصت على الفوضى الجنسية نصا ودافعت عنها . . وحين اضطرت إلى تع=ديلها في النظرية على عهد لنين فإنها لم تغير شيئا حقيقيا في التطبيق ."
من هنا نفهم كيف أن الشيوعية خطوة تقدمية إلى الأمام !
ونأخذ الآن في الحديث عن التطبيق الشيوعى ، ومدى التزامه بالنظرية من جهة ، ومدى"عدالة"هذا التطبيق من جهة أخرى .
فأما من حيث إلغاء الملكية الفردية فقد تم ذلك وبصورة حادة في المرحلة الأولى من التطبيق على عهد لنين وجزء من عهد ستالين . أما إحلال الملكية الجماعية محلها فقد تكشف عن أسطورة ضخمة ليس لها وجود حقيقى ! فلا أحد من طبقة البروليتاريا يملك شيئا في الحقيقة أو يحس بملكية شئ . إنما الدولة - كما نصت النظرية - هى المالك الحقيقى لكل شئ . والدولة - عند التطبيق - شئ والشعب شئ آخر . ومهما قيل من"نيابة"الدولة عن البروليتاريا في الملكية والإشراف عليها فهو مجرد كلام للاستهلاك النظرى . أما الواقع فهو أن الدولة أصبحت كابوسا ثقيلا بدكتاتوريتها البشعة الت لا تدع للناس فرص للإحساس بوجودهم فضلا عن أن يحسوا بأنهم يملكون ششيائ على الإطلاق !