فهرس الكتاب

الصفحة 17103 من 27364

فجو الإرهاب الدائم الذى تمارسه الدولة على الشعب بحجة المحافظة على النظام من أعدائه ، وجو الجاسوسية الذى يعيش فيه الشعب إلى حد أن الوالد لا يأمن ولده ولا الزوج يأمن زوجته ولا الأخ يأمن أخاه - ضمانا ألا يجتمع اثنان على سر خشية أن يكون السر مؤامرة على"النظام"- هذا الجو الذى يمكن أن يؤخذ فيه الإنسان بالظنة فيحاكم ويحكم عليه بالإعدام أو الاعتقال في ثلوج سيبيريا أو بأى عقوبة أخرى"رادعة".ز هو جو لا يسمح بوجود"التعاطف"بين الشعب والدولة ، ذلك التعاطف الذى يحس فيه أن الدولة نائبة عنه في الملكية والإشراف عليها .. فالنيابة لا تكون بالحديد والنار والتجسس .. إنما يخضع الشعب للدولة بعامل الإرهاب المسلط عليه ، ويفقد في النهاية أى شعور بملكية شئ على الإطلاق ! ولا يبقى له إلا شعوره بالحرمان !

ولا ينسى المصريون ما شهدوه في أسوان أيام كان"الخبراء الروس"يعملون في السد العالى ، فقد كانوا يعيشون بطبيعة الحال في جو مختلف عن النظام الذى ألفوه في روسيا . فكان أشد ما عجبت له زوجات أولئك"الخبراء"أن الشراء حر في الأسواق ، وأن الإنسان يستطيع أن يشترى بقدر ما يريد ، أو بقدر ما تتسع نقوده .. فكن يذهبن إلى بائعى الخضر والفواكه فيسألن في عجب: هل نستطيع7 أن نأخذ بقدر ما نريد ؟! فإذا قيل لهن: نعم ! لم يصدقن ! حتى وجدن بالممارسة الفعلية أن ذلك ممكن بالفعل !

وليست المسألة هى العجب من اختلاف النظام ، فهذا أمر طبيعى وكل إنسان يفاجأ بنظام يختلف عما ألفه وتعود عليه سيعجب في بادئ الأمر حتى يألف . ولكن المسألة هى اللهفة على الشراء ، ودلالته على مدى الإحساس بالحرمان ، والفرحة الغامرة بالتخلص من هذا الحرمان ولو إلى أمد محدود ! وتكفى هذه التجربة الواقعية للكشف عن حقائق كثيرة في آن واحد ، عن الملكية الفردية والملكية الجماعية .. وعن النظام !

على أن الذى يعنينا هنا ليس هو البحث في مدى تحقق تلك الأسطورة التى يطلق عليها اسم"الملكية الجماعية"حين تكون الدولة هى المالك الحقيقى ويكون الشعب كله محروما من الملكية ! إنما الذى يعنينا أكثر هو الأسطورة التى تقول إن تلك الملكية الجماعية المزعومة يمكن أن تحل محل الملكية الفردية ،

(1) قلنا من قبل إن الاختلاف بين الرأسمالية والشيوعية هو اختلاف في القشرة وليس في الجوهر .

لقد زعمت النظرية الشيوعية أن الأصل في الإنسان هو الملكية الجماعية ، وأن الملكية الفردية هى انحراف شرير وقعت فيه البشرية بعد اكتشاف الزراعة ، وأن الشيوعية الثانية سارد الإنسان إلى أصله"فيستمع"بالملكية الجماعية ، ويشفى من هذا الانحراف الخطير الذى أفسد إنسانيته وأشاع الظلم في المجتمع البشرى لقرون عديدة من الزمان !

ثم فرضت"الدولة"الأمر فرضا بالحديد والنار ..

فهل شفيت النفوس من الداء وسلمت من الانحراف ، وارتدت إلى أصلها الملائكى المزعوم ؟!

إن الذى حدث بالفعل - وأشرنا إليه من قبل - أن"النظام"تراجع في عهد ستالين ثم في عهد خروشوف عدة تراجعات .

ففى المرحلة الثانية من عهد ستالين كان"النظام"فى حاجة إلى زيادة الإنتاج ، ومن ثم أعلن ستالين أنه من أراد من العمال - بعد وحدة العمل الإجبارية الأولى - أن يقوم بوحدة ثانية إضافية فسيكون له عليها أجر إضافى يستطيع به أن يحسن أحواله المعيشية فيشترى أنواعا من الطعام أفخر ، أو كميات اكبر ، وأنواعا من الملابس أرقى مما توفره وحدة العمل الإجبارية .

وموضوع الدلالة أن الدولة حين احتاجت إلى زيادة الإنتاج لم تجد وسيلة إليه إلا إثارة الحافز الفردى والالتجاء إليه . ولو كانت ترى - أو تعتقد في دخيلة نفسها - أنه يمكن زيادة الإنتاج دون الالتجاء للحافز الفردى لفعلت ، خاصة وهى تملك الحديد والنار وتستخدمها - بإسراف - في جميع المجالات ، ذلك أن الالتجاء للحافز الفردى - أيا تكن مبرراته التى تلقى أمام الناس - هو تراجع عن أصل من أصول النظرية ، وهو الأصل القائل بأن الملكية الفردية ليست شيئا فطريا وأن الأصل في الناس هو الملكية الجماعية !

موضع الدلالة إذن أن كل بطش الدولة لم يستطع أن"يشفى"الناس من الحافز الفردى ويضع الحافز الجماعى مكانه . ومعنى ذلك أن الحافز الفردى - الوثيق الصلة بالملكية الفردية - عميق عميق في الفطرة إلى حد لا يمكن انتزاعه ، ولو استخدمت في انتزاعه كل وسائل البطش والإرهاب .

ثم حدث في فترة حكم خروشوف أن تزايد نقصان المحاصيل الزراعية ( وكان هذا التناقص قد بدأ في عهد ستالين ذاته ولكنه لم يكن محسوسا بالصورة الى ظهر عليها أيام خروشوف ) حتى إن روسيا بدأت تستورد القمح من أمريكا بكميات متزايدة . وكان علاج خروشوف للأمر هو تمليك الفلاحين جزءا من المحصول لأنفسهم . وتمليكهم الدار التى يسكنونها وما تحويه من الأثاث والأدوات وما يمكن أن يشتروه لأنفسهم من هذه الأشياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت