فهرس الكتاب
وهو تراجع صريح عن مبادئ الشيوعية ، دلالته واضحة .. وهى أن الملكية الجماعية لم تستطع - بكل وسائل القهر - أن تحل محل الملكية الفردية .. وإن العلاج الوحيد الذى يضطرون إليه جولة بعد جولة هو الإذعان لهذا الدافع الفطرى الذى نفوا - في النظرية - وجوده ، وجالوا بكل أنواع الجدل ليثبتوا أنه غير أصيل في النفس البشرية ، وأنه"مرض"يمكن"الشفاء"منه !
والتجربة التى تمت - في العالم لشيوعى ذاته وعلى يد الدولة الشيوعية ذاتها - تغنينا عن الالتفات إلى كل الجدل الفارغ الذى يجادل به الشيوعيون في أمر الملكية الفردية والحافز الفردى .
إما إنشاء مجتمع غير طبقى ، وإلغاء جميع الطبقات ماعدا طبقة البروليتاريا ، وإقامة دكتاتورية البروليتاريا .. فقد اختلف التطبيق فيها اختلافا واسعا عن النظرية !
ولسنا نتحدث هنا عن"محاسن"إنشاء مجتمع غير طبقى ، ولا كون هذا الأمر واجبا أو غير واجب ممكنا أو غير ممكن (1) إنما نتحدث عن الواقع التطبيقى لنرى مقدار قربه أو بعده عن الشئ الذى قالوا إنه واجب أن يكون .
لقد زالت طبقة الإقطاعيين نعم ، وحال تطبيق الشيوعية في الدولتين الشيوعيتين الكبيريتين دون ظهور الطبقة الرأسمالية ، وما كان منها موجودا في الدول الأخرى التى اعتنقت الشيوعية فقد أزيل إما بنزع الملكية الفردية وإما بالإبادة الثورية ..
ولكن ما الذى حدث بعد ذلك ؟!
الذى حدث بالفعل أن"طبقة"جديدة بكل تعريف الطبقة ومواصفاتها قد برزت في المجتمع الشيوعى تحت اسم جديد بالمرة هو"الحزب"!
(1) نقول نحن إنه ممكن في حالة واحدة فقط ، حين ينزع حق التشريع من البشر ويتحاكمون كلهم إلى شريعة الله ، فعندئذ لا يكون لأحد من البشر سلطة تشريعية يتمكن بها من رعاية مصالحه ومصالح طبقته على حساب بقية الطبقات ، ولا يهم في هذه الحالة تفاوت الناس في ثرواتهم لأن هذا التفاوت يظل أمرا فرديا لا طبقيا . ولا يتجاوز حظ كل إنسان من"المتاع"فى الحياة الدنيا .. ولنا عود إلى الموضوع عند الحديث عن نظرة الإسلام .
والفارق بين أفراد الحزب - بدرجاته المختلفة - وبين أفراد الشعب هو ذات الفارق بين أية طبقة كانت مالكة وحاكمة من قبل وبين الشعب ! فأدنى درجات الحزب - وهى العضوية العادية - تنشئ لتوها فارقا ضخما في كل شئون الحياة ، وليست العبرة بوجود الملكية الفردية أو عدم وجودها ، فلم يكن منشأة الطبقية في المجتمعات الطبقية هو مجرد وجود الملكية الفردية كما زعم التفسير الجاهلى للتاريخ ، إنما كان ما يترتب على الملكية من سلطان ونفوذ ، انطلاقا من مبدأ أن الذى يملك هو الذى يحكم ، أى أن الطبقية في الواقع - وإن نبعت في المجتمعات الجاهلية من الملكية الفردية كما يقول التفسير المادى - إنما هى طبقية السلطان والنفوذ ، التى تنبع من قدرة هذه الطبقة على التشريع لحساب نفسها وإلزام الآخرين بالخضوع لهذا التشريع .
وقد ألغيت الملكية الفردية من المجتمع الشيوعى ، ولكن السلطان والنفوذ الذى تركز فى"الحزب"قد جعل منه طبقة متميزة ، لها كل سمات الطبقة ومميزاتها سواء في نوع المعيشة - أى المتاع - أو في النفوذ والسلطان .
فمع أن العنوان العام في الشيوعية أنه لا أحد يملك شيئا ملكية فردية فإن هناك فارقا - لا شك - بين أن تكون أنت وأفراد أسرتك جميعا تسكنون في غرفة واحدة في مسكن شعبى بدورات مياه مشتركة ( وغالبا ما تكون بلا أبواب ! ) وبين أن تكون ساكنا فى"فيلا"خاصة أو في شقة كاملة في عمارة ، حتى ولو كنت غير مالك للشقة أو ما في داخلها من الأثاث ملكية فردية !
هناك فارق في نوع المتاع ودرجته ،وفارق في مشاعرك حين تكون هنا وحين تكون هناك .
ولست أناقش هنا شرعية هذا المتاع أو عدم شرعيته ، إنما أقول فقط إنه في النظرية الشيوعية غير جائز وغير شرعى ، أما في التطبيق فهو موجود ، ويتسع الفارق كلما صعد الإنسان الدرجات ،فى"الحزب"حتى يصبح عضوا في اللجنة التنفيذية العليا أو من الأعضاء البارزين في الحزب ، فينقلب نعيمه ترفا ما كان يحلمن به بعض القياصرة في زمانهم ! والشعب فى"أكواخه"العصرية ، الأسرة كلها في غرفة واحدة تجمع الأم والأب والأطفال بنين وبنات ما ودون سن التكليف ، وتجرى فيها العلاقات الزوجية بين الأم والأب - بححم الأمر الواقع - في حضرة البنين والبنات ، البالغين وغير البالغين !
وليس فارق المتاع على أى حال هو الفارق الأهم أو الفارق الوحيد ، إنما المهم فارق السلطان .
إن مجرد انتقال الإنسان من كونه فردا من أفراد الشعب إلى كونه عضوا في الحزب ، ينتقله من"شئ: لا وجود له إلى شئ آخر له وجود ملموس ، سواء في نظر نفسه أو في نظر المجتمع من حوله ، لأنه ينقله من طبقة المحكومين إلى طبقة الحكام الذين يسيطرون على كل شئ في المجتمع الشيوعى ،، حتى لو كان هو في أسفل طبقة أولئك الحكام ."