فهرس الكتاب

الصفحة 17105 من 27364

إن تركيز النفوذ فى"الحزب"و"الدولة"و"الزعيم"هو الذى ينشئ ذلك الفارق الضخم بين"اللاشيئية"و"الشيئية"فى المجتمع الشيوعى .. ولذلك يصبح أكبر مطمح للفرد العادى في المجتمع الشيوعى أن يضع قدمه - مجرد وضع - ولو على أدنى درجة من درجات ذلك البناء الشاهق الذى يمثل السلطان ، فيتغير وجوده كله ، بل يصبح في الحقيقة موجودا بعد أن لم يكن له وجود .

وسبيله إلى هذه النقلة الضخمة التى يتشهاها كل طامح إلى الوجود لا يخرج عن امر من ثلاثة أمور ، أشرفها جميعا - وأندرها - القيام بعمل غير عادى في خدمة"الوطن"أما السبيل الميسرة والمعتادة فهى الملق للحزب وللدولة وللزعيم ن والظهور بمظهر التفانى في حبهم جميعا ! أو التطوع بالجاسوسية وإلقاء الشبه على الأبرياء تقرباب للسطان وإظهار للولاء !

أما دكتاتورية البروليتاريا فهى شئ بشع إلى أقصى درجات البشاعة التى يتخيلها الخيال . وبالرغم من كل المبررات التى تساق لتبرير النظام البوليسى القائم على الحديد والنار والتجسس فستبقى حقيقة واحدة لا سبيل إلى محوها ولا إنكارها ، أن الدكتاتورية القائمة ليست - كما زعموا - دكتاتورية البروليتاريا ، إنما هى الدكتاتورية الواقعة على البروليتاريا .

إنه حجم الشعب الروسى - على وجه التقريب - هو مائتان وخمسون مليونا من البشر والحزب الشيوعى يكون منه ستة ملايين ، ستة ملايين من المحظوظين - على درجات مختلفة من الحظ في وسط هذا الخضم الهائل من القطع الآدمية التى لا وزن لها ولا كيان . عملها أن تنتج كالآلة ثم تغرق في حماة الجنس كالحيوان ، وليس لها بين هذا وذاك قلوب ولا مشاعر ولا وجود .

فى الوضع السياسى هم أولئك الأصفار الذين لا يقدمون ولا يؤخرون ولا يقام لهم وزن . ولا عبرة بمسرحية الانتخابات ولا بقول الشيوعيين عن أنفسهم إنهم هم"الديمقراطية"الحقيقية !

ولسنا ندافع عن المسرحية الأخرى القائمة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ، فقد سبق أن عرضناها على حقيقتها ، ولكنها تحمل على الأقل تقدير"مظهر"الحرية و"مظهر"الاختيار ، وإن كانت الغالبية العظمى ممن يصلون إلى المجالس النيابية هم - كما بينا - أدوات الرأسمالية الحاكمة ، ولا تستطيع هذه المجالس ، مهما قيل فيها من"كلام"أن تتخذ قرارا ضد المصالح الحقيقية للرأسمالية الحاكمة .

أما حين يكون الناس كلهم حزبا واحدا - بأمر الدولة - هو حزب الدولة ، فإن المسرية تفقد حتى ذلك المظهر المزيف ، وتصبح سخرية ضخمة لا متعة فيها على الإطلاق !

ما الفرق بين أن تنتخب هذا الصفر أ هذا الصفر أو ذاك الصفر ، إذا كانوا كلهم أصفارا من جهة ، وكلهم يمثلون وجهة نظر واحدة من جهة أخرى ، وكلهم لا يملكون الكلام إلا بإذن الدولة وبالقدر الذى تأذن به الدولة من جهة ثالثة ؟!

إن المسرحية كلها واحدة .. نعم ! ولكنك ربما تكون على استعداد لمشاهدة المسرحية والتلهى بها حين يكون الممثلون يؤدون دورهم المرسوم لهم وكأنهم يؤدونه من عند أنفسهم ، أما حين تسمع صوت الملقن واضحا يملى على المثل أقواله وأفعاله فلا شك أن المسرحية تكون في حسك سمجة وغير مستساغة ، وإن كتب عنها في لوحة الإعلان أنها مسرحية الديمقراطية الحقيقة !

وفى الوضع الاقتصادى هم أولئك الكادحون .. كانوا ومازالو.. الذين يقومون بأشق الجهد وينالون أقل الجزاء ، ويستمتع غيرهم"بفائق القيمة"لأنهم أصحاب نفوذ وأصحاب سلطان ! وليس من الضرورى أن يكون"فائض القيمة"نقودا توضع في الجيوب ، فغياب المظهر لا ينبغى أن يخدعنا عن حقيقة الجوهر . ففائض القيمة هنا هو المتاع الموفر - بصرف النظر عن الملكية - وهو السلطان والنفوذ !

حين يمرض الفرد من البروليتاريا يعالج بالأدوية المحلية ، وحين يمرض الفرد من الحزب الحاكم يعالج بالدواء الأجنبى ! وحين ينتقل الفرد من البروليتاريا يتنقل في المركبة العامة التى لا تراعى فيها أسباب الراحة ، بينما عضو الحزب يتنقل في السيارة الخاصة - ولو لم يملكها ! - فإن كان عضوا"كبيرا"فى الحزب فله السيارات الأجنبية المريحة المكيفة .. وهذا غير المسكن الذى أشرنا إليه من قبل وغير صنوف الطعام ..

ما الفرق بين هذا وبين التمتع بفائض القيمة في المجتمع الطبقى الذى كانوا - ومازالوا - ينددون به ؟!

وفى الوضع الاجتماعى هم أولئك الأحجار المتراصة التى يبنى بها البناء ليسكنه السكان ! السكان هم الحزب بدرجاته المختلفة من أول العضو العادى إلى"الزعيم"والبروليتاريا مجرد بناء مقام ليسكن فيه هؤلاء ! هل يحس الحجر من الساكن ؟ أو يهمه أن يعرف ؟ أو يتغير وضعه بتغير السكان ؟!

كلا ! إنهم أحجار !

على أن أبشع ما في الوضع كله هو الإرهاب البوليسى الذى يقع الشعب كله تحت وطأته .

منذ الذى يجرؤ أن يقول كلمة واحدة في نقد الحاكم ؟ سواء في سره أو في العلانية ؟ أما في العلانية فلا يلومن إلا نفسه إذا وجد رأسه طائرا عن عنقه ، ولا يوجد شخص"عاقل"يصنع ذلك الصنيع !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت