فهرس الكتاب

الصفحة 17106 من 27364

وأما في سره فالجاسوسية تكشف النقاب عنه .. ومجرد الخوف من الجاسوسية يرهب القلوب ويكمم الأفواه..

ومع ذلك كله تظهر بين الحين والحين في كل نظام شيوعى حركات التطهير التى يذهب ضحيتها المئات والألوف .

وهذه"النكتة"من عهد خروشوف كافية لإعطاء صورة الإرهاب .. في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى وقف خروشوف يندد بستالين ن ويقول عنه إنه دكتاتور سفاح مجرم سافل دنئ ! وإنه غلطة لا ينبغى أن تتكرر .. وإنه ارتكب من الجرائم البشعة ما تقشعر له الأبدان ..

وقرأ خروشف الورقة - وكان حاضر البديهة حاضر النكتة - فقال: من الذى أرسل إلى هذه الورقة ؟! وبالطبع لم يجب أحد ! فقال خروشوف: الآن قد عرفت السبب ! لقد كنت خائفا مثلك فلم أنبس ببنت شفة !

وكون هذه نكتة لا يغير شيئا من الحقيقة ، ولا يخفف شيئا من بشاعة الإرهاب .. فهى نكتة ذات دلالة على الواقع المرهوب .

والمهم على أى حال أنها ليست"دكتاتورية البروليتاريا"كما كانوا يزعمون في النظرية ، إنما هى الدكتاتورية التى تعانى غصتها البروليتاريا المسحوقة تحت الأقدام ، إنما كانت أسطورة تمليك المصانع للعمال ، وأسطورة منح السلطة للعمل مجرد إغراءات دعائية يقبل الناس على الفخ المنصوب !

أما كفالة الدولة لك ل فرد من أفراد المجتمع فهى الشئ الوحيد الذى برزت به الشيوعية في عالم الواقع على كل جاهليات التاريخ .

لا يوجد فرد لا يأكل ولا يلبس ولا يسكن من كل أفراد الشعب . وهذا هو الواجب الذى نكلت عنه الدولة الإقطاعية والدولة الرأسمالية على السواء ، وإذا كانت الدولة الرأسمالية الحديثة قد اقتربت من أداء هذا الواجب شيئا من الاقتراب بالضمانات الاجتماعية والإعانات التى تصرف للمتعطلين من نقاباتهم أو من الدولة ، وبالرعاية الصحية المجانية ، وبالخدمات المجانية العامة .. الخ ، فإنها لم تبلغ بعد الحد الذى التزمت به الدولة الشيوعية ، فضلا عن كونها قد فعلت ما فعلت لا بدافع إنسانى ، ولكن خوفا من الشيوعية ، فضلا عن كونها فعلت ما فعلت لا بدافع إنسانى ، ولكن خوفا من الشيوعية من جهة ، وخوفا من الضرر الذى يلحقها إذا لم تستجب لطلبات العمال المطالبين بهذه الحقوق .

ولكن لنا على هذه الكفالة مجموعة من الملاحظات . إذا قسناها على الكفالة التى قررها الإسلام لكل فرد من أفراد الأمة قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا من الزمان !

تكفل الدولة الشيوعية أفرادها على الحد الأدنى الذى وصفناه من قبل ، ومع ذلك لا تكفلهم وهم كرماء على أنفسهم ولا على دولتهم ! ولا نتحدث الآن عن تكليفهم بالعمل - رجالا ونساء - مقابل كفالتهم ، أى أن الدولة لا تتفضل عليهم بالكفالة ، إنما هى تجندهم لحسابها ، وتستصفى جهدهم كله قبل أن تعطيهم ضرورات حياتهم ، وتهددهم تهديدا صريحا بقوله ، من لا يعمل لا يأكل ..

لا نتحدث الآن عن هذا ، فالعمل على أى حال هو الأصل في حياة الإنسان وليست البطالة هى الأصل .. ولكنا نقول إن الدولة الشيوعية بإلغائها الملكية الفردية والعمل الحر ، وتحويل كل الناس إلى إجراء للدولة ، إنما تستذلهم في الواقع بلقمة الخبر ، فلا يملكون أن يتوجهوا بكلمة نقد واحدة للقائمين بالأمر خوفا على لقمة الخبز أن تضيع .. وذلك بخلاف الإرهاب بالحديد والنار والتجسس ، الذى يزيد من مذلة الناس وانكماشهم وخضوعهم للظلم الواقع عليهم ، دون التفوه بكلمة أو إشارة تدل على عدم الارتياح فضلا عن الاحتجاج الصريح .

ولقد زعمت الشيوعية أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيرا لإنسان آخر ، وزعمت أنها هى التى ستخلص الناس من الظلم … وتمنع الاستغلال ، حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر .

نعم .. ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر ، وتأجيره"للدولة"التى هى شخص معنوى في الكلام فقط ، ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السلطان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذى يطلبونه نهم ، وما يعاقبونهم به إذا قصروا في أدائه ؟ وأيهما أذل - في عالم الواقع - الأجير الذى يملك ولو ذرة واحدة من الحرية في اختيار نوع العمل ومكانه ، واختيار شخص"السيد"الذى يبيع له جهده ، والمساومة على زيادة هذا الأجر ، والاحتجاج على انخفاضه إذا رأه كذلك ، أو الأجير الذى لا يملك ذرة من الحرية في تلك الأمور كلها ، لا اختيار نوع العمل ولا مكانه ، ولا اختيار"السيد"الذى يخدمه - فهو مفروض عليه بالحديد والنار - ولا حق الاحتجاج على الأجر المنخفض ولا طلب زيادته .. وإن فتح فمه بكلمة يموت جوعا ، إن لم يمت بوسيلة أخرى غير الجوع ؟!

وأية سفسطة تلك التى تقول إن الذل لا يكون قائما حين تحكون"الدولة"هى التى تسخر الناس للعمل وهى التى تمنح الأجور ؟! ما تعريف الذل ؟! وما اسم ذلك الإحساس الذى يحسه الإنسان حين يجد أنه لا يملك حريته في أى أمر من الأمور ، وأن عليه أوامر ينبغى أن يطيعها ، وواجبات ينبغى أن يؤديها ، دون أن يكون له حق الاعتراض على شئ من الأشياء ؟!

أم يحلونه عاما ويحرمونه عاما ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت