فهرس الكتاب

الصفحة 17206 من 27364

سيطر رحمون نبييف المنتمي للحزب الشيوعي على رئاسة الجمهورية في أكتوبر 1991م، ومثّل مجيئه إلى السلطة تحدياً كبيراً للتيارات الإسلامية المعارضة هناك؛ لأن هذا الرئيس ينتمي إلى تيار الزعيم الروسي الدكتاتوري بريجينيف.

وفي مطلع عام 1992م اندلعت المواجهة في

طاجكستان بين أنصار النظام الحاكم، والجماعات التي تدعو إلى العودة إلى الإسلام، وانتهت برضوخ الرئيس نبييف لمطالب المعارضة، فشكل حكومة ائتلافية حصل فيها المعارضون لنظامه على 8 حقائب وزارية.

لم يرق هذا التغيير لبقايا الشيوعية في البلاد، فعادت المواجهة المسلحة بين الشيوعيين والمعارضة الإسلامية مرةً أخرى، مما اضطر الرئيس نبييف إلى إعلان استقالته، واللجوء إلى موسكو، مما أتاح الفرصة للمعارضة لتشكيل حكومة مؤقتة.

لم تُترك المعارضة لتهنأ بهذا التغيير، حيث تدخلت القوات الروسية بكثافة لتعيد الحكم لأنصار الشيوعية، ونجح هؤلاء في العودة إلى حكم البلاد على ظهور الدبابات الروسية بزعامة علي رحمانوف أحد أبرز مساعدي نبييف، والذي ارتكب مجازر مروعة استطاع من خلالها الاستيلاء على البلاد، وذلك بمساعدة الروس، بعد معارك أدت إلى تدمير العاصمة وآثارها التاريخية ومكتباتها، وتشريد أكثر من مليون مسلم، وقتل أكثر من 100 ألف، وجرح أكثر من 300 ألف (8) .

وبعد انتهاء هذه المعارك اعتلى علي رحمنوف سدة الحكم، وأصدر دستوراً جديداً أقر النظام الرئاسي، وأجرى تعديلات كثيرة على قوانين الحكم السابقة (9) .

من آثار الفكر الشيوعي:

قضت هذه الدولة سبعة عقود تحت نير الاحتلال الشيوعي، الذي عمل ليل نهار على طمس العقيدة، ومحو آثارها في النفوس، وغرس مبادئ الشيوعية مكانها، ونشر الإباحية والتحلل، وتذويب الشعب في المجتمع الروسي.

لم تكن نتائج تلك الحملة الشيوعية لتتلاشى بمجرد إعلان الاستقلال، والانسلاخ عن الدولة الكبرى - الاتحاد السوفيتي - والخروج من دائرة الحكم الشيوعي، ولم تكن العادات المكتسبة، والأفكار المزروعة في نفوس الشعب الطاجيكي وشعوب الجمهوريات الإسلامية كافة لتزول بسهولة بعد تلك العقود التي تعرض المسلمون خلالها لأبشع محاولات طمس الهوية، وإزالة كل ما يتعلق بالدين والمعتقد من النفوس، بكل أساليب القهر والطغيان.

لقد تركت الشيوعية آثاراً فكرية واجتماعية وثقافية أثّرت على التوجه الديني لدى الشعب الطاجيكي، خاصة في المدن، حيث تركت أغلب سكانها لا يعرفون عن الإسلام شيئاً سوى اسمه، ويجهلون جُلّ أحكامه، وكيفية تطبيقها، بل ويعتبرون كثيراً من المخالفات الشرعية أمراً عادياً لا حرج فيه، كشرب الخمر - الفودكا الروسية - والاختلاط، وأكل لحم الخنزير، بل إنهم يستغربون ممن يدعو النساء إلى ارتداء الحجاب، أو عدم مخالطة الرجال بلباس فاضح!!

ففي استطلاع نشرته مجلة الإصلاح الإماراتية، وأجراه الكاتب رأفت يحيى، حول قوة الصحوة الإسلامية في آسيا الوسطى، قابل خلاله عدداً من أساتذة الجامعات والطلبة الطاجيك وغيرهم، تبين مدى تأثر هؤلاء بالثقافة الشيوعية، حيث جاء في الاستطلاع ما يلي:

"في طاجكستان التقيت نائب رئيس الجامعة لشؤون الدارسين الأجانب، ومعه عدد كبير من أساتذة الجامعة أثناء مناقشة إحدى رسائل الدكتوراه. وخلال اللقاء دعوني لأشرب الفودكا - خمر - معهم. قلت لهم: إنني لا أشرب؛ لأن هذا الخمر يحرم شربه الإسلام، فأخذوا يضحكون ويتندرون فيما بينهم، وقال أحدهم: إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها شخصاً لا يشرب الخمر".

وفي مقابلة أخرى يقول الكاتب:" (أوميد) صحفي بطاجكستان، التقيته في أحد المؤتمرات التي نظمها حزب النهضة الإسلامي، قال لي: إنه لم يعد يؤمن بالفكر الشيوعي، لكنه في الوقت نفسه لا يؤمن بشيء اسمه إله. سألته: هل يوجد مثلك كثيرون في مجال الصحافة يؤمنون بفكرك ؟ أجابني بهدوء شديد: نعم".

ويقول في موضع آخر:"خلال رحلتي من مدينة بخارى بجمهورية أوزبكستان إلى مدينة دوشانبه عاصمة طاجكستان التقيت شاباً مهندساً من مدينة ترمذ مسقط رأس الإمام الترمذي، وقد رحب بي عندما عرف أنني عربي. سألته عن أحوال المسلمين في بلده، وعن عدد المساجد بها، ونسبة الذين يترددون عليها، وهل هو يصلي ؟ فإذا به يفتح إحدى حقائبه، ويخرج منها كتيباً صغيراُ لتعليم الصلاة، أخذ يقرأ فيه بصعوبة شديدة سورة الفاتحة، وبعد حديث طويل دعاني لأتناول معه طعام العشاء في القطار، وإذا به يحضر عدداً من زجاجات الفودكا."

هذا النموذج يُعد من الصور اللافتة للنظر في المجتمع الإسلامي في آسيا الوسطى عموماً، حتى بين كثير ممن يصلون أيضاً" (10) ."

ومن آثار الفكر الشيوعي: تخوف كثير من أبناء الشعب الطاجيكي من العودة إلى الإسلام؛ وذلك لما تعرض له هؤلاء من خلال برامج التربية والتعليم حول الإسلام، حيث تلقوا خلال سنوات تعليمهم معلومات مشوهة عن الإسلام، تصفه بالخرافة، والظلامية، والتخلف، والشعوذة، والإرهاب، وغير ذلك.

ولهذا يطالب هؤلاء اليوم باللحاق بركب العلمانية، والحضارة الغربية، وعدم التفكير

بالانتساب إلى الإسلام وأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت