فهرس الكتاب

الصفحة 17267 من 27364

حسب الأصولية الإسلامية فإن الليبيرالية و الماركسية هما الشر المطلق، لماذا لأن الأولى إيديولوجية الدفاع عن الشخصية الفردية للإنسان، و الثانية عن الطبقة العاملة.،فالإسلامي على العكس يطالب بملكيته، و الحماية ضد العامل. يكره الإسلامي كل شكل من أشكال المساواة، مساواة المرأة بالرجل، التي يسميها السرداب، لسبب أجهله، تفكك أسري، العلمانية لأنه تلغي تفرقة المسلم مع باقي الأقليات الدينية، و طبعاً و الأهم المساواة الحقيقة، إلغاء الطبقات في المجتمع، و هذا ما يكرهه الإسلامي. فهو يقول (.. تصوروا بيل جيتس يقود أكبر مؤسسة تُجارية في العالم يتحول في الدولة الشيوعية إلى ماسح أحذية في الشركة التي بناها بمجهوده وعرقه هكذا تحت مُسمى إلغاء الملكية الخاصة تُسرق أملاك أُناس قضوا أعمارهم في جمعها ) أنظروا كيف يحتقر الإسلامي العامل، و الطبقة العاملة.

هم يكرهوا كل تطور، فيكيلون كل حقدهم على الداروينية. يستعينون بأعقد وسائل الاتصال (الساتلايت الرقمي، الانترنت) ليحدثونا عن أسد نطق الشهادتين، و ساحرة طارت بالهواء عارية، و عفاريت تحيط بنا. هذه الأفكار الآتية من العصور الوسطى نجدها الآن في القرن الواحد و العشرون، ليس في بيت فلاح جاهل بسيط، بل في ناطحات السحاب بدبي و أبوظبي.

سأبدأ مداخلتي هذه بشرح مبسط لبعض المفاهيم عن الماركسية. و لذلك سأبدأ بالمادية، و طبعاً مداخلتي هذه لا يمكن لها أبداً اختزال الفكر الماركسي.

تسمى الماركسية، المادية التاريخية، لكن ماذا نعني عندما نقول فيورباخ فيلسوف مادي؟ هل هذا يعني أنه يحب المال؟ طبعاً لا.

ما هي إذاً الفلسفة المادية؟

الفلسفة المادية هي تلك التي تجيب على سؤال نظرية المعرفة. إنه الجدل القديم جداً بين الماديين، والمثاليين . إن نظرية المعرفة هي المسألة الأساسية بالفلسفة، و موضوعها هو البحث بين التفكير و الوجود. أي أنها تجيب على أسئلة من النمط التالي: هل بإمكان الإنسان أن يعرف العالم؟ و كيف يتم ذلك؟ كيف نعرف الحقيقة؟ هل تكفي الحواس لمعرفة العالم أم لا؟ و هل للعالم وجود خارجنا؟ كيف تجيب المادية الجدلية ( الماركسية) على هذه الأسئلة؟ لو أننا حاولنا أن نلقن طفلاً ضرورة أن يغسل يديه قبل تناول الطعام فإننا نقول له ذلك، و قد نشير إلى طفل مريض، و نقول له:"أنظر إنه مريض لأنه لم يغسل يديه قبل الطعام". هنا نرى أن التلقين قد تم عبر حاستين، هما حاستي السمع، و حاسة البصر. و هكذا كل تلقين أو معرفة يجب أن يمر عبر حواس. و هذا ما تقوله المادية الجدلية بالضبط: معرفة العالم الخارجي تتم من خلال الحواس. فمثلاً كان يرى الفيلسوف كانت أن المعرفة المتحصلة من خلال الحواس هي معرفة خاطئة و مضللة. أما المعرفة الحقيقية فبرأيه، هي المعرفة القبلية لا نحصل عليها بواسطة التجربة بل من الله الذي منحنا إياها قبل التجربة و الممارسة. هذا النوع من المعرفة السابقة على التجربة ينفيه ماركس.

هل تعتقد بالمادية التلقائية؟ تلك المادية التي يجب أن نعتنقها جميعاً، مؤمنين و ملحدين. تلك المادية التي لا يمكن إنكارها، لوضوحها، وحضورها في حياتنا اليومية. عما أتحدّث؟ تلك المادية التي تدعو إلى الثقة بحواسنا التي تقول لنا بوجود العالم المحسوس، المادي الخارج عن ذاتنا.

أنا أعتقد ( ولا أقول أنني مؤمن) بأن ذاتي غير منفصلة عن جسدي، أزول بزوال جسدي، بدأت بجسدي، وما كنت قبله، سأنتهي بموتي، ولن أكون بعده.

هذه النقطة مرفوض دينياً، كل الديانات ترفضها. هناك وجود غير مادي منفصل عن الجسد المادي، لا بل يسبقه، فيقول كن فيكن. فكانت المادة من هذه الكينونة الغير مادية المنفصلة عن المادة.

هناك نقطتين جوهريتين في الطرح المادي لا يمكننا فصلهما:

1.التأكيد على أن العالم المادي موجود مستقل عن ذاتي و عن الفكر الذي تحمله ذاتي. أي الموضوعية الذاتية ، التي تعرّف الذات كمادة.

2.التأكيد على أن ذاتي ، بكينونتي و أفكاري تعتمد على هذا العالم المادي الموجود و ذاتي و أفكاري ليست إلا شكل من أشكال هذا العالم المادي، فهي إن كانت من الذات فذاتي مادية كما قلت في نقطتي الأولى. لا يمكن لأفكاري إذاً أن تسبق ذاتي.

يقول ماركس أن الإنسان كائن طبيعي (من الطبيعة) ، فهو من طبيعة مادية في تغيير مستمر. الإنسان غير مستقل عن الطبيعة، حيث أنه بيولوجياً يتطور باحتكاكه معها، و كذلك فهو يعتمد على الطبيعة لبقائه. و من هنا كانت الداروينية و الماركسية مرتبطتان، فكلتا النظريتين ماديتين. و على هذا الأساس تفسر الماركسية التاريخ.

فالصراع حسب الماركسية، صراع طبقي مادي. و هو مايرفضه كل من بوش و الإسلاميين. فكلاهما يعتبران أن الصراع صراع حضارات، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت