فهرس الكتاب

الصفحة 17269 من 27364

لكننا لم ننتهي من مسألة علم الأخلاق الماركسي. إن الفكر الماركسي هو أعمق و أكثف من ناقش مسألة الاغتراب (Alienation) و حدد قيام المجتمع الشيوعي بكونه هو الوسيلة الوحيدة الممكنة لتجاوز هذا الاغتراب، لكن السرداب يوجه هذا السلاح بالذات ضد الماركسية، كيف؟ من خلال اعتبار الفكر الماركسي يرى في الإنسان وسيلة لغاية معادية للإنسان. فهو يقول: (فأين تلك الحُرية التي وعدت بها الشيوعية في حين يُسلب الإنسان حُريته وتصبح الثروة والسُلطة بيد الدولة ويصبح المواطن أجيرا لديها بشكل أو بآخر) ثم يضيف: (لكن المثير للدهشة في الدولة الشيوعية أن الدولة الشيوعية لا تسرق وسائل الإنتاج من صاحب رأس المال لتعطيها للعمال بل تتسلط الدولة وتُسيطر سيطرة كاملة على وسائل الإنتاج وتصير الصورة النهائية أن الدولة تطرد الرأسمالي لتلعب هي دوره بأبشع ما تتهمه به ..!!! )

لن أناقش في مقارنة السرداب المريبة بين النظام الرأسمالي ( الذي يسعى إليه كل إسلامي) و الاشتراكية. فلا صلة لهذه المسألة بعلم الأخلاق، لكن سوف أناقش مسألة تسلط الدولة الشيوعية على الفرد.

طبعاً مهما يكون زميلنا جاهل بالماركسية، فلا أعتقد أنه نسي طروحات ماركس الشهيرة عن موت الدولة، و موت الحزب في المجتمع الشيوعي. فما دام ماركس يعلن موتهما، فأين هو تسلط الدولة الذي يكون ضحيته الإنسان؟

الأغلب أن السرداب يتحدث عن مرحلة سابقة حيث يكون الإنسان جزءاً من الحزب الذي يناضل من أجل استلام البروليتاريا (الطبقة العاملة) للسلطة. و إن حزباً كهذا لم ينجح ماركس في بناءه، بل إن لينين هو الذي بناه. و هو قد حدد الحزب في كتابه (ما العمل) قيادة التغيير لصالح الطبقة العاملة، من خلال الوعي. و الوعي هنا يعني الوعي بالضرورة الاجتماعية و السيطرة عليها. إن المفارقة الغريبة أن السرداب نسي أنه يتحدث باسم العقيدة الإسلامية، و المسلم هو من سلم أمره لله، و لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فهل هذا الفكر الإسلامي يصلح منطلق لليبيرالية تدعو إلى إنسان لذاته و من أجل مصالحه الخاصة، لا من أجل الآخرين؟

إن علم الأخلاق يعالج علاقة الإنسان بالمجتمع، فلنر كيف يحدد ماركس علاقة الإنسان بالمجتمع الشيوعي، حيث يرى ماركس أن تقسيم العمل في المجتمعات الطبقية، (يعني الرأسمالية كذلك) يجعل للإنسان عمل واحد: ( فهو صياد أو سماك أو راع أو ناقد، و عليه أن يبقى هكذا، إذا أراد أن لا يفقد وسائل العيش. في حين أنه في المجتمع الشيوعي،، حيث لا يكون لكل إنسان مجال خاص من النشاط، بل يمكن لأي كان أن يتقن التخصص الذي يرغب فيه، فيتولى المجتمع تنظيم الانتاج العام، و هكذا يصبح من الممكن لي أن أفعل شيئاً هذا اليوم، و أن أفعل شيئاً في اليوم التالي، فقد أصطاد في الصباح، و أصيد السمك بعد الظهر، و أربي الماشية في المساء، و أمارس النقد بعد العشاء كما يحلو لي، من غير أن أكون صياد أو راعي أو ناقد) .

لا شك أن القارئ كان يتوقع حواراً بين مفهومين لعلم الأخلاق، و تحديد مسائل مثل الاغتراب، العلاقة بين المصلحة العامة و المصلحة الخاصة، الغاية و الوسيلة، إلخ... لكن كيف يكون باستطاعتنا أن نفعل هذا مع رجل، لا يعرف أي شيء عن هذه المفاهيم، وظيفته الشتم لا العلم، و الاختلاق، و ليس الدقة العلمية؟؟

الماركسية و اليهودية:

يقول السرداب: ( بل لقد جمعت الدعاية الماركسية تعاليم ماركس وأنجلز وأضفت عليهما ما يُضفيه رجال الدين على الأديان ، جتى ليقول أحد المُفكرين:-(( لعل ماركس أصغر أنبياء بني اسرائيل وكتاب رأس المال التوراة الجديدة . ) )* .. )

لنقرأ ماذا يقول ماركس عن اليهودية، في كتاب ماركس الشهير (طبعاً الذي لم يسمع عنه السرداب) المسألة اليهودية:

(و لأن الجوهر الحقيقي لليهودي قد تحقق بشكل عام في المجتمع البورجوازي، و أصبح دنيويا، لم يستطع المجتمع البورجوازي إقناع اليهودي بوهمية جوهره الديني الذي هو ليس سوى المفهوم المثالي للحاجة العملية. و هكذا فإِننا لا نعثر على جوهر يهودي اليوم في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وفي التلمود وحسب، وإنما نجده في المجتمع الراهن، ليس كتجريد وإنما ككائن على أعلى درجة من العملية، ليس فقط كضيق أفق يهودي وإنما كيهودية مجتمع ضيق الأفق.

حالما ينجح المجتمع في التغلب على الجوهر العملي لليهودي، أي على السمسار، يصبح وجود اليهودي مستحيلا، لأن وعيه لا يعود يملك موضوعا، و لأن القاعدة الذاتية لليهودية، وهي الحاجة العملية قد اتخذت طابعا إنسانيا، لأن النزاع بين الوجود الفردي المحسوس وبين وجود النوع البشري قد ألغي. إن التحرر الاجتماعي لليهودي هو تحرر المجتمع من اليهودية)

ماذا عن الماركسية و الصهيونية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت