• في 24 نوفمبر 1991م أجريت أول انتخابات رئاسية بعد الاستقلال فاز فيها الشيوعي السابق رحمن نبييف رئيساً لطاجيكستان بأغلبية 54%، بينما حصل حزب النهضة الإسلامي على 33%، وادّعت المعارضة أن الانتخابات زُوّرت. وعلى الرغم من أن نبييف انتخب بشكل حرّ في ظاهر الأمر إلا أنه ضرب عرض الحائط بقانون الانتخابات الذي ينص على تشكيل حكومة وفاق تضم أعضاء من المعارضة يتناسب عددهم مع نسبة الأصوات التي حصلوا عليها.. وشكّل حكومة شيوعية بحتة. وأقر البرلمان (الذي ما زال شيوعياً) منع تأسيس أحزاب على أساس ديني وهو قانون موجه أساساً ضد حزب النهضة.
• في 30 أبريل أعلن نبييف حالة الطوارئ والحكم الرئاسي المباشر لمدة ستة أشهر.. كل ذلك فجّر الغضب الشعبي فاحتشدت المعارضة من أنصار حزب النهضة الإسلامي وهو أقوى الأحزاب وأوسعها انتشاراً، وأنصار الحزب الوطني الديمقراطي الذي شكّله البروفسور شارمان يوسفوف وطرح برنامجاً علمانياً يرضي سائر القوميات، وأنصار اتحاد القوى الديمقراطية (راستوخيز) الذي أسسه (طاهر عبد الجبار) وهو يدعو إلى إحياء التراث القومي الطاجيكي المرتبط بالثقافة الفارسية والذي يعارض إقامة دولة إسلامية. احتشد كل هؤلاء يوم 26 مارس 1992م في ساحة الشهادة.. بينما احتشد الشيوعيون وأنصار الحكم السابق والذين هم في معظمهم من منطقة خوجند في الشمال، ومتطوعون جيء بهم على جناح السرعة من منطقة (كولاب) في الجنوب، احتشدوا في ساحة آزادي.. وهكذا وقف الفريقان وجهاً لوجه أمام البرلمان في وسط المدينة.
• في 7 مايو 1992م استولت المعارضة على الإذاعة والتلفزيون، وانضم إليها الجنرال رحمانوف بهرام رئيس فرقة الحرس الجمهوري، وفي 11 مايو وافق نبييف على مطالب المعارضة وهي: تشكيل حكومة ائتلافية تتسلم فيها المعارضة ثمان وزارات منها: الدفاع والأمن، واستقالة الشيوعيين المتشددين، وتشكيل (مجلس نيابي) مؤقت يمارس صلاحياته حتى إجراء انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب في 6 ديسمبر 1992م. ولقد شارك دولت عثمانوف ممثل حزب النهضة في الوزارة بمنصب نائب رئيس الوزراء بينما تسلم الجنرال (رحمانوف) منصب وزير الدفاع.
الجبهة الشعبية تتصدى للحكومة
شكّل خصوم الحكومة الائتلافية في كولاب ما يسمى الجبهة الشعبية.. وهي أشبه ما تكون بالعصابات المسلحة.. استطاعت في بضعة أشهر أن تقطع الطريق بالقتال من حدود طاجيكستان الجنوبية إلى العاصمة، وأن تستولي على الحكم في دوشنبه.
حاولت حكومة دوشنبه التصدي للمتمردين، وطالبت الرئيس نبييف باتخاذ إجراءات لنزع سلاح الكولابيين، وعندما ماطل في تنفيذ ذلك نحّوه عن مركزه بالقوة وجاؤوا بحكومة جديدة برئاسة (أكبر شاه اسكندروف) .
دور موسكو في الأحداث
بالرغم من الإعلان الرسمي عن استقلال طاجيكستان إلا أنها ما زالت مقيدة بروسيا في كل شيء؛ فاقتصادها المنهار، وعدم وجود جيش خاص بها، ووجود المستوطنين الروس القابضين على الأمور الهامة، واحتواء أراضيها على ثلث مخزون اليورانيوم في الاتحاد السوفياتي المنهار.. وتنامي التيار الإسلامي.. كل هذه الأسباب جعلت روسيا تحكم قبضتها على هذه المنطقة. يقول أناتولي أدامشين -نائب وزير الخارجية الروسي-:"إن لدينا مصالح اقتصادية في طاجيكستان، فقد وظّفنا أموالاً طائلة في ذلك البلد وهناك معادن أرضية نادرة واليورانيوم والقطن، وطاقات اقتصادية كبيرة، فلماذا نترك كل ذلك؟".
الحرب الأهلية
في 30 سبتمبر 1992م سيطرت قوات روسية على مطار دوشنبه، وفي 10 ديسمبر دخلت قوات الجبهة الشعبية بعتاد أوزبكي ودعم روسي العاصمة دوشنبه وأسقطت الحكومة الائتلافية.. وعزلت اسكندروف ووضعت مكانه إمام علي رحمانوف الذي أصبح بذلك أول كولابي يصعد إلى قمة هرم السلطة في طاجيكستان.
إن أرقام الخسائر التي سببتها الحرب الأهلية هي من الهول بحيث تبدو وكأنها بعيدة عن الحقيقة، يكفي القول أن أكثر من 80% من المصانع دمّر تدميراً كاملاً في البلاد وخاصة في مدن كورغان تبه وكولاب وخوجند وهي من المعاقل القوية لحزب النهضة الإسلامي؛ فقد استعمل الجيش الدبابات والمدفعية الثقيلة ضد النساء والأطفال، وأحرقت المدارس وروضات الأطفال. وتدل الإحصاءات الرسمية إلى أن ضحايا المذابح بلغ 60 أو 70 ألفاً. أما النازحون فهم في حدود المليون.
ولقد تصدت الطائرات الحربية للشعب الأعزل الذي لجأ إلى أفغانستان وقتلت آلاف الناس وهم يحاولون عبور نهر (أمودريا) في مياهه المجلدة.
ولم يجد قادة حزب النهضة الإسلامي الذي قاد الكفاح الشعبي ضد الشيوعيين غير التوجه إلى إخوانهم وأهلهم في أفغانستان وإعادة تنظيم صفوفهم واعتماد مبدأ الجهاد لتحرير بلدهم.
التسوية السلمية للنزاع