لم ترفض المعارضة الإسلامية الدخول في مباحثات سلمية مع الحكومة المتسلطة الشيوعية.. فهي تعلم أن الحروب لا تحلّ مشكلة، وأن استمرارها سيكون على حساب الشعب الطاجيكي. وقد طالبت المعارضة أن تكون المفاوضات برعاية الأمم المتحدة والمجلس الأوروبي والدول الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وإيران وأفغانستان. أما مطالب المعارضة فتتلخص في:
-تشكيل مجلس أعلى للدولة وحكومة مؤقتة محايدة.
-إيقاف الاعتقالات وعودة المشردين وضمان أمنهم.
-إلغاء الحظر الذي فرض على الأحزاب.
-إجراء انتخابات برلمانية في غضون سنتين.
عقد الطرفان أول اجتماع لهم في موسكو في الخامس من أبريل 1994 واتفقا على تشكيل لجنة مشتركة لتسوية مشكلة اللاجئين.
وفي 18 يونيو 1994 عقد الاجتماع الثاني في طهران.. والذي ركز أساساً على وقف إطلاق النار بين قوات الحكومة والمعارضة ونشر مراقبين من الأمم المتحدة على الحدود الطاجيكية - الأفغانية لمراقبة وقف إطلاق النار.
وفي 20 أكتوبر عقد الاجتماع الثالث في إسلام أباد بوساطة من الأمم المتحدة واتفق الطرفان على وقف الأعمال الحربية على الحدود وداخل البلاد حتى السادس من فبراير 1995، ووقع الطرفان برتوكولاً بشأن اللجنة المشتركة التي ستراقب الاتفاق.
كانت المعارضة تطالب بتأجيل الانتخابات الرئاسية التي أعلنت الحكومة عن إجرائها في أوائل نوفمبر 1994م.. وأصرت الحكومة ونجح رئيس البرلمان إمام علي رحمانوف في غياب ومقاطعة المعارضة.
حزب النهضة الإسلامي
ولكن كيف استطاع حزب النهضة أن ينال هذه المكانة في هذه المدة القصيرة من عمر الاستقلال في طاجيكستان...؟
مما لا شك فيه أن للإسلام جذوراً حضارية عميقة في هذه المنطقة.. وازدهرت في مدنها الثقافة الإسلامية خصوصاً في بخارى وسمرقند الواقعتين حالياً في أوزبكستان.
وبعد غياب قسري طويل انحسر فيه تأثير الإسلام في الحياة العامة في الجمهوريات السوفياتية لأكثر من 60 عاماً، عاد الإسلام إلى البروز بقوة منذ عهد الرئيس ميخائيل غورباتشوف فقد أعيد فتح نحو ثلاثة آلاف مصلى ومئة وخمسة وستين مسجداً إضافة إلى المعهد الإسلامي الذي يضم 1200 طالب و280 طالبة. ولقد تجمع المتدينون وتلامذة المدارس السرية والمبتعثون إلى الشرق العربي خصوصاً مصر في تنظيم أطلق عليه"حركة النهضة"، واختاروا روسيًّا من جمهورية داغستان رئيساً لهم هو الدكتور (أحمد القاضي) ، وعقدت القيادة المركزية للحزب مؤتمرها التأسيسي في صيف 1990م بمدينة استراخان الروسية، حيث حضره مائتا مندوب يمثلون تسع جمهوريات (سوفياتية) . وتسارعت الأحداث إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها (الضباط الروس المحافظون) ضد غورباتشوف وإصلاحاته التي انتهت بتفكيك الاتحاد السوفياتي واستقلال جمهورياته، فاستقلت فروع النهضة عن القيادة المركزية مع الاحتفاظ بعلاقات أدبية بينها، وحصل اثنان من الفروع التسعة على اعتراف رسمي، الأول في روسيا بحكم القانون، والثاني في طاجيكستان بحكم الأمر الواقع.
حركة النهضة الإسلامية تصف المرحلة فتقول: كان المسلمون يلتقون في بيوت يبنونها على شكل مكان لشرب الشاي (شاي خانه) يطلقون عليها كلوب، وزيادة في التمويه كانوا يعلقون على الجدران صور القادة الشيوعيين مثل ماركس ولينين، وكانوا يسمون زاوية من هذا البيت الزاوية الحمراء. في مثل هذه الأماكن كان المسلمون يلتقون.
كانت طاجيكستان قد قطعت شوطاً كبيراً في الحفاظ على هويتها الإسلامية، ولذا لم يكن يدعو للدهشة تحطيم تمثال لينين وكان أول نصب شيوعي يهوي في آسيا الوسطى. وسميت الساحة فيما بعد ساحة الحرية.
دور الغرب وإسرائيل في مواجهة الصحوة الإسلامية
تراقب دول الغرب أحداث طاجيكستان عن كثب، وكانت أمريكا قد عبرت عن رغبتها في بقاء الشيوعيين في الحكم كما أنها قدّمت لهم الأسلحة تحت ستار نقل المواد الإغاثية، وعندما تعرضت منطقة كولاب في ربيع 1992م لفيضانات كبيرة زارها السفير الأمريكي عدة مرات.
أما إسرائيل؛ فقد أصبحت لها أملاك واسعة ومؤسسات اقتصادية هامة في آسيا الوسطى يحميها رجال أمن يهود من نفس المنطقة. وتقوم إسرائيل بترحيل اليهود الطاجيك إلى إسرائيل.
لقد تحركت إسرائيل قبل بداية الأحداث الأخيرة حيث قام (أربيه ليفي) مدير الشؤون الخارجية الإسرائيلية بزيارات إلى كل من كازاخستان وطاجيكستان وقرقيزيا وأوزبكستان في فبراير 1992م درس فيها كيفية إقامة التعاون الاقتصادي الشامل بينها وبين هذه البلدان.
إن رؤساء هذه الدول وخاصة طاجيكستان يتلقون دعماً كبيراً من إسرائيل التي تشجعهم وتقنعهم عبر بعثاتها الدبلوماسية بضرورة التصدي للصحوة الإسلامية وضربها؛ بل وجرها إلى معركة قبل أن يتم بنيانها.
الصين أبدت تخوفها الشديد تجاه أحداث طاجيكستان، وطلب الوفد الصيني الذي زار أوزبكستان مؤخراً تعاون البلدين لمنع وصول الأصولية إلى بلديهما. فهي تخشى من امتداد الأصولية إلى منطقة سينغيانغ الصينية - ذات الأغلبية المسلمة - حيث يوجد 30،000 طاجيكي.