فهرس الكتاب

الصفحة 17617 من 27364

من المؤشرات الخطيرة لأي تنمية مايسمى ( معدّل وفيات الأطفال ) فهذا الشعب الذي يبلغ تعداده 23 مليوناً ؛ نجد أنه شعب ولود ؛ فقرابة أربعة ملايين من هذا الشعب هم دون الخامسة من العمر ، ومايقارب النصف منهم دون الثامنة عشر ، ومع ذلك فإن معدل وفيات الأطفال يتجاوز المائة ويصل أحياناً إلى مئة وخمسة لكل ألف حالة ولادة ، أما بالنسبة للوفيات لأطفال دون الخامسة من العمر فتبلغ 130حالة وفاة لكل الف ولادة ؛ هذا يعتبر مؤشر خطير على مستوى العالم كله فإنك لا تكاد تجد افقر الدول تصل إلى هذا المستوى، وتتبين خطورة هذا الموضوع إذا قارنّا هذا بما يحصل في اليابان حيث لا يتجاوز هذا المعدل 2 لكل ألف مولود ، وبما يحدث في السويد حيث لايتجاوز 3 لكل ألف حالة ولادة ، أما في الدول العربية فلايتجاوز 40% في غالب هذه الدول وكذلك الدول الآسيوية الإفريقية ، ويعاني كثير من الأطفال من غياب (Expanded p r og r am of immunization ) التطعيمات الأساسية بما يسمى ( النظام الموسع للتلقيح أو التطعيم ) والذي يحتوي على لقاح الدرن وشلل الأطفال والدفتيريا والتيتنوس والحصبة وغيرها؛ هذه كلها تعاني من نقص شديد بسبب الحصار الإقتصادي كما أن معدل الأطفال الذين يصابون بنقص التغذية يتجاوز الخُمس ، وحسب تقارير منظمات الصحة العالمية واليونيسيف وغيرها فإن كثيرا من هذه الأرقام كانت تزداد من عام 1991م وبلغت إلى حد كارثي حيث أصيب مليون طفل بحالات نقص غذائي مزمن ( ch r onic malnnut r ition ) ، وكما قدمنا أن هناك خمسة ملايين عراقي في عمر الزهور اقل من خمس سنوات فعندها يكون خُمس اطفال العراق مصابون بأمراض نقص الغذاء الحاد ولقد كان اكبر الأسباب لهذه الوفيات وهذه الأمراض هو الإسهال وأمراض الجهاز التنفسي حيث أنهما كانا سببا لوفاة 70% من الأطفال ، وهذان المرضان كلاهما قابلان للعلاج بأرخص الأثمان وأسهل الطرق في الدول الأخرى في العالم .

ولقد كانت حالات الإسهال لاتزيد عن أربع مرات في العام لكل طفل في العراق قبل عام 1990م وزاد هذا الرقم ليصل إلى 15 مرة في عام 96 ؛ وكذلك زادت حالات التيفود وهي حالات إسهال حادة او مزمنه من ( 2240 ) حالة في تلكمُ الاعوام إلى ( 27000) في عام 1996م وكانت هذه الأرقام ومازالت في إزدياد ، وسنبين أن هذا كله ازداد بعد الحرب الاخيرة والتي جاءت على أناس منهكين اجتماعياً وصحياً.

أدى غياب الخدمات المدنية العامة وتكاثر الأمراض إلى غياب التعليم وانتشار الأمية في سن أقل من 12 سنة إلى قرابة 31% من البنات ، و 18% من الأولاد ، أي أن مايعادل الربع من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة لايدخلون المدرسة ولايتعلمون القراءة والكتابة ، وأدى هذا تباعاً إلىذهاب هؤلاء الأطفال إلى العمل في سن مبكرة فحدث مايسميه الغربيون بإستغلال الأطفال في أعمال شاقة ؛ وهو مايسمى بـ"child Abuse"وهذا كله أدى إلى خروج جيل من الشباب في عام2003م ( وهو عام الحرب الحالية ) ؛ وهم: جاهلون ؛ وهم مقهورون ؛ وهم مستبدٌ بهم ؛ وهم يتألمون ؛ وهم منهكون ؛ هم بإختصار ربما يكون كثيرٌ منهم يائساً من حياة كريمة وهذا هو الجيل الذي سيواجه أمريكا وأذيالها وهو يحمل مشاعر الغيظ والحنق والحقد ، ومالم يتعامل هذا العَالَمُ الظالمُ الغاشمُ مع هذا الجيل بالشكل اللائق والسريع فسيكونون قنبلة موقوتة تنفجر أمام كل من يقف أمامهم (4) .

بإختصار شديد يمكن القول: أن الحصار أثّر على البنى التحتية من شبكات كهربائية وشبكات التصريف الصحي والمجاري ، وتنقية مياه الأمطار والإستفادة من مياه نهري دجلة والفرات ، وتنقية مياه المجاري ، وانتاج الطاقة الكهربائية من الأنهار والغاز الطبيعي والإستفادة من الطاقة الشمسية ؛ ومن الطاقات الزراعية الموجوة في العراق وفي الأراضي الزراعية الخصبة، وقّلل من إمكانية شبكات الري الزراعي ، وقلل أيضاً من صيانة الطرق التي تنقل فيها البضائع من مدينة لأخرى وينتقل فيها الفلاح ببضاعته ، وزهد الناس في العمل ؛ فقد كانت الحكومة تتعامل ببرنامج النفط مقابل الغذاء ، ثم النفط مقابل الغذاء والدواء ؛ فكانت الحكومة تموّل البيوت بالدقيق والسكر والشاي والأرز وعددٍ آخر قليل من الحاجيات الأساسية ؛ أدّى ذلك كله إلى بطالة مقننة و عامة في الشعب العراقي وأدى إلى وقوفٍ تامٍ للتنمية ووصلت نسبة البطالة إلى مايزيد عن 50 % ، ولقد دخلتُ بغداد وكنت أتوقع أن أرى مدينةً جميلةً لأنها تحتوي على كل مايمكن أن يتخيله الإنسان من طاقات بشرية وموارد طبيعية؛ إلا أنني شبهت دخولي إليها بدخولي إلى مدن الإتحاد السوفيتي إبان سقوطها عام 1992م ؛ كنت قد رأيت تلك المدن وقد وصلت إلى عملقة حضارية لايستهان بها إلا أن هذا العملاق توقف نموه فجأه !! ، والذين يحيطون به ممن كانوا متأخرين عنه لحقوا به وتجاوزوه ! وهذا يمكن أن يكون أقرب تشبيه للواقع في العراق ، بإختصار هذا البلد بلد منهك و مصابٌ بآلام نفسية واجتماعية وبيئية وصحية مختلفة فأين أنتم يا أمة أبي القاسم r ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت