فهرس الكتاب

الصفحة 17654 من 27364

وأقف ويقف غيري متسائلاً: وماذا ستتمخض عنه هذه المشاعر العربية والإسلامية الغاضبة تجاه ما يصنعه اليهود اليوم في أرض المقدسات؟ ولئن قيل إنها ستنتهي عند حدود الشجب والاستنكار كما حدث في مجزرة الخليل ومذبحة صبرا وشاتيلا وسواها من أحداث دامية ارتكبها اليهود، وهي مسطورة في تاريخهم الأسود؛ فهناك من يقول: إنها وإن كانت كذلك في المنظور القريب، فإنها على المدى البعيد ستشكل ـ هذه المآسي ـ أرضية تنبت العزة والكرامة لدى الشعوب العربية والمسلمة، وستكون سلاحاً يُقاتل به اليهود، وسينشأ في هذه المحاضن الصعبة أطفال يرضعون كره اليهود ومن شايعهم مع حليب أمهاتهم، وسيكونون رجال المستقبل يقاتلون وهم صادقون، ويصبرون حتى ينتصروا.

ولكنها مأساة بحق مسلمي اليوم حين يلوذون بالصمت وهم يرون الحقد اليهودي يتزايد، والدعم الغربي لدولة الصهاينة يتفاقم، والهيئات والمنظمات الدولية تتفرج، بل ربما تتلذذ بمشاهدة المسرحيات وهي تُنفذ وهم خلف الستار.

أجل لا يسوغ لأمة ولدت أطفالاً يقاومون بالحجارة أن تظل تتفرج على هؤلاء الأطفال وهم يقضون نحبهم ـ كما يتفرج غيرهم ـ دون أن ينصروا مظلوماً أو يردعوا ظالماً؛ وماذا سيكون موقف الحكومات الإسلامية التي تورطت بعلاقات واتفاقات اقتصادية أو ثقافية أو عسكرية أو نحوها مع إسرائيل وهي تفعل اليوم ما تفعل بأبناء فلسطين ومقدسات المسلمين وإخوانهم المسلمين؟! إنها مأساة حين يتفرج أبناء الملل الأخرى على ما يحصل لأبناء المسلمين ولسان حالهم يقول: أين أهل هؤلاء؟ أين أبناء ملتهم؟ أليس دينهم يقول لهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات: 10] أليس بينهم من يقول لهم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» (5) ، فأين حقوق الأخوة؟ وأين وسائل النصرة؟

البعد الديني في القضية الكبرى:

قضيتنا في فلسطين وحربنا لليهود لها بُعدٌ ديني ليس فقط عندنا معاشرَ المسلمين، بل وعند اليهود والنصارى، ولكن الفرق أن لنا وعداً حقاً ولهم وعدٌ مفترى، أما وعدنا الحق فأساسه الكتاب المحفوظ وبشارات المصطفى صلى الله عليه وسلم بقتل اليهود وبمساعدة الشجر والحجر على قتلهم إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود، وأحاديث نزول المسيح ـ عليه السلام ـ في آخر الزمان، وأنه سيقتل اليهود والنصارى ويحكم بالإسلام، وما ورد أن بلاد الشام ستكون معقلاً للمسلمين، ومنها يقاتلون الروم، إلى غير ذلك من وعودٍ صادقة تؤكد أهمية بلاد الشام للمسلمين ومنها فلسطين، وما سيكون فيها من ملاحم بينهم وبين أعدائهم هذا كله فضلاً عن تعلُّق المسلمين بالمقدسات هناك وشعورهم بضرورة حمايتها من الخطر اليهودي والنصراني.

أما الوعد المفترى لليهود فيقوم على نصوص محرفة في التوراة يقول أحدها ـ كما في الإصحاح الخامس عشر ـ: «يقول الرب ـ تعالى عما يقولون ـ لنسلك (يعني يعقوب) أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» .

وفي الإصحاح السابع والعشرين تتمة ذلك: «يُستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين» ، ومن هنا قال بن جوريون (رئيس أول حكومة يهودية) : «تستمد الصهيونية وجودها وحيويتها من مصدرين: مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قدم الشعب اليهودي ذاته وهو: الوعد الإلهي والأمل بالعودة...» والملاحظ أن هذا البعد الديني لا ينفرد به اليهود بل يشاركهم فيه النصارى، ولا يقتصر الأمر فيه على بني صهيون بل يصرح به ساسة الأمريكان، يقول كارتر: «لقد آمن سبعة رؤساء أمريكيين وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة؛ لأنها متجذرة في ضمير الشعب الأمريكي نفسه وأخلاقه ودينه ومعتقداته، لقد شكَّل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون، ونحن نتقاسم ميراث التوراة» (6) .

ويقول الأصولي النصراني (مايك إيفانز) ـ وهو صديق الرئيس (بوش) وصاحب علاقات حميمة معه ـ يقول: «إن تخلي إسرائيل عن الضفة الغربية سوف يجر الدمار على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأمريكية من بعدها، ولو تخلت إسرائيل عن الضفة الغربية وأعادتها للفلسطينيين فإن هذا يعني تكذيباً بوعد الله في التوراة، وهذا سيؤدي إلى إهلاك إسرائيل، وهلاك أمريكا من بعدها إذا رأتها تخالف كتاب الله وتقرها على ذلك» (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت