فهرس الكتاب

الصفحة 18110 من 27364

مثلا نرى فيتجارب جاليليه أن كرة من حديد وأخرى من خشب تسقطان بالسرعة نفسها، عندما قامبالتجربة من برج بيزا المائل.

رغم أن الحدس (العقلانية المعتادة) قاد كلالمفكرين قبله إلى ضرورة سقوط الكرة الثقيلة بسرعة أكبر.

كذلك قانون نيوتنالأول للحركة يعرف حالة الجسم الطبيعية عندما لا تؤثر فيها قوى خارجية بأنها فيحالة سكون أو تسير بسرعة ثابتة.

وهذه السرعة الثابتة لا علاقة لها بحدسنااليومي.

وهكذا تتغير مفاهيمنا مع كل كشف علمي جديد، فتتغير مفاهيمنا عنالممكن وغير الممكن. عن المعقول واللامعقول.

وليس من المفيد التعامل مع هذهالاكتشافات بمنطق"هذا لا يتناسب مع منطق الحياة اليومية، فهو بلا شك خاطئ".

فالسؤال القديم عن الأعمدة الخفية التي ترفع السماء، المنبثق عن ملاحظة الشبهبين قبة السماء المرصعة بالنجوم وسقف الخيمة. ولم يعرف أحد خيمة يرتفع سقفها دونأعمدة.

الجواب الذي يقدمه العلم اليوم يختلف بشكل جوهري عن السؤال المطروح.

ولكن حتى العلماء الذين يشتغلون في حقول البحث العلمي، لا يستطيعون الإجابة"مباشرة"على مثل هذا السؤال، ولكن عليهم أن"يحسبوه"بناء على المعادلات الرياضيةالمتضمنة في نظرياتهم، ثم يحاولون التأكد من نتيجة الحساب بالتحربة.

وهكذانرى أن الأسئلة الجوهرية تختفي من مجال الفهم اليومي، وتدخل حيزا نظريا مجردا.

ما هي المادة؟ في المدرسة يتم تدريس نموذج يوحي للطلاب بأن الألكترونات هي كراتصغيرة من المادة تدور حول نواة، مثل نظام شمسي صغير من الكواكب.

ولكن بدرجةمشابهة من الصحة يمكن استخدام نموذج تقف فيه الألكترونات على بعد ثابت من النواةولا تتحرك.

فكل هذه الصور خاطئة.

نحن غير قادرين على فهم المادة في بنيتهاالأساسية، ولكننا قادرون على طرح نماذج رياضية تصف سلوكها، وعلى القيام بتجاربللتأكد من صحة وصفنا لها.

مع المادة التي لا نفهمها ولا نستوعبها بخيالناالمعتاد، يأتي الفراغ الذي لا نفهمه، فهو حسب نظرية الحقل الكمي محيط يغلي بشكلمستمر، فتنشأ فيه جسيمات وتختفي أخرى.

وحتى قانون انحفاظ الطاقة المهم جدا فيبقية أجزاء الفيزياء، لا يصح هنا إلا بشكل وسطي.

وفي عالم الكم، معظم الحوادثلا سبب لها، وليس فقط أن السبب مجهول.

هل من الممكن أن يحدث شيء بدون سبب؟

منطقنا اليومي يقول لا، وبالنسبة للمعرفة العلمية فهذا الجواب غير مهم.

الأهم هو أن يكون لدينا نموذج رياضي يتوافق مع التجربة.

وإن كان هذاالنموذج لا يحتوي على أسباب، بل ينفيها بصراحة، فهذا هو الواقع حسب آخر ما توصلإليه العلم.

ماذا تقول لنا نظرية الانفجار العظيم عن وجود الله؟

ليس الكثير..

ألا تثبت أن العالم"حادث"، بحيث يمكن استخدام دليلالحدوث للبرهان على وجود الله؟

ليس بالضرورة، فمفهوم الحدوث يصبح ضبابيا جدا،لأن الزمن نفسه يتغير مفهومه ويبدأ مع بداية الكون.

أو حتى نرى أن الزمن ليستله بداية حسب نظرية هوكنغ، خصوصا مع إضافة بعد"الزمن التخيلي".

هذا الزمنالتخيلي هو مفهوم رياضي لم يتم التثبت من وجوده، ولكن هذا التثبت ممكن من حيثالمبدأ.

بينما دليل الحدوث يتطلب افتراض"زمن ميتافيزيقي"يتم الحدوث فيه،ولكن لا دليل على وجوده، ولا طريق لمعرفته.

وإنما يتم"اختراعه"، أي افتراضوجوده من اجل الحفاظ على استمرارية التصورات اليومية المعتادة.

أي عكسالموضوعية العلمية.

في المقابل هناك بدائل طبيعية ضمن إطار نظرية الانفجارالعظيم لكل ذلك.

سواء كانت نظرية"كوانتم الكون"التي تفترض أن الكون نشأ مثلماتنشأ الاضطرابات الكوانتية، بموجة احتمالية، ولكن دون تسبب من خارج الطبيعة.

ولكن حتى نظريات مثل الكون المتذبذب، أو حتى الكون الثابت تبقى أكثر علميةمن طرح افتراضات من خارج الطبيعة لا مجال للتحقق من صحتها.

بينما نرى بولديفيس، يتنقل بين نظريات ترفض وجود إله خالق، إلى افتراض وجوده، إلى تأييد نظريةالأكوان المتعددة (multive r se) ، التي بدورها لا تحتاج إلى إله.

في عالمالظواهر الكوانتية يفقد مفهوم السببية أهميته لعدة أسباب.

أولا: الانعكاسيةالزمنية. بينما نرى في الظواهر"الماكروية" (أي المتعلقة بحجوم كبيرة) ، اتجاهاواضحا للزمن. فالكأس الذي يسقط، ثم تتناثر شظاياه، يعبر عن اتجاه واضح للوقت.

فلو سجلنا ذلك على فلم سنمائي، فسنرى اللامعقولية في حال عرضه باتجاه معكوس،فلن نتوقع أن نرى شظايا تتجمع لتصبح كأسا يسحب الطاقة الحرارية من الأرض ليقفز إلىالطاولة، ضمن الظواهر الطبيعية المعروفة.

ولكن هذا لا يسري على عالم الكم،فهناك كل شيء قابل للانعكاس الزمني.

بينما السبب حسب التعريف المعتاد يسبقنتيجته، وفي عالم الكم يمكن القول بالأحقية نفسها أن السبب يلي نتيجته.

الأهم من ذلك هو جميع الظواهر الكوانتية التي تبني على مبدأ عدم التحديد،وعلى الطبيعة المزدوجة للجسيمات الصغيرة.

فنرى أن لحظة تفكك نواة مشعة لا يخضعلأي سبب.

كذلك سلوك الفوتون أو الألكترون في تجربة الشقين لا يعتمد على أي سببليحدد المسار الذي سيسلكه الجسيم، بل التجربة تنفي وجود أي تسبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت