فهرس الكتاب

الصفحة 18448 من 27364

أقول: ( من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة ) ولكني أقول: كأن صاحب الرسالة ذهل عن قاعدة: (( إن كنت ناقلاً فالصحة ، أو مدعياً فالدليل ) )، فإن كنت مقلداً لدحلان في نقلك ، أليس لك ما تميز به بين الغث والسمين ، فتعلم أنه ما نقل عن هؤلاء القول إلا فكاهات تضحك الثكلى ، ويهزأ بها الطفل الصغير ، فكيف يقبلها عقل رجل بلغ من الذكاء أن أرجع أمة من الجهل إلى العمل بالكتاب والسنة ، وإن كنت تنكر عليه بعض مبالغات وُجِدت في رسائله ، فإنما هي لحكمة تعلمها أنت وهي أنه إذا تمكنت البدع من النفوس وصعب استئصالها ، قاومها الناصح بالشدة وهوّل أمرها ؛ ليتمكن من قلع أصولها ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر11 بما أُنزِل على محمد ) )أن أساطين العلماء حمله على التغليظ 12 ولا يعاملون معاملة الكافر 13 المعاند ، وإنما هوّل الأمر لينكف الفاعل عن فعلته ، وتأمل أمثال ذلك في الكتاب العزيز وفي السنة الغرَّاء ، فإنك تجد الأمر جلياً واضحاً ، وابن عبد الوهاب لمَّا رأى قوماً تمَكَّنَت الجاهلية من نفوسهم قبَّحها أشد تقبيح ، وهوّل أمرها حتى تمكَّن من استئصالها ، وقد وفَّقه الله تعالى لذلك ، فيا أيها العزيز الكريم: احمل الناس ولا سيما العلماء على أحسن المحامل ، ولا تظن أن رجلاً مثل هذا يكفِّر المسلمين ، ولكن قل: إنه سلك مسلك الحديث الآتي: (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) )14 في التغليظ ، وليس يريد كفراً أو شركاً ككفر المشركين الخُلَّص ، وانظر في كتب الصوفية كيف يجعلون الرياء شركاً خفيّاً ، وطالع كتب المَهَرة منهم كيف يشددون النكير على من مال قلبه في صلاته إلى غير الله ، تَعْلَم مقاصد العلماء ، وما إخالك إلا أنك تعلم ذلك ، لا تريد التكلم به لأمر يعلمه الله تعالى .

وأما قولك: وكان يضمر في نفسه دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها . فهذه دعوى كشف واطلاع على ما في القلوب ، فهي بين أمرين: إما تصريح بالكذب ، وإما مشاركة الله تعالى في قوله: (( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) ) (غافر:19) .

فاختر أي الشقين شئت ، وإن كنت مدَّعيا فعليك الدليل من كتبه التي طُبِعت في الهند وفي مصر ، وسارت في الأقطار ، وأما باقي ما نسبته إليه فأشياء التقطتها من أفواه الأعداء والرعاع ، والعاقل لا يقيم لذلك وزناً ، وهَبْ أن بعضها صحيح ، فإنها جارية على النمط الذي قدَّمناه ، وما يوضِّح ذلك افتراء مَنْ نَسَبَه إلى دعوى النبوة أن الاجتهاد أدنى من دعوى النبوة بلا شك ، ومع ذلك فإنه لم يدِّع الاجتهاد في الفقه ، ونادى على نفسه أنه مقلِّد في الفروع للإمام أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه وألّف في مذهبه كتاباً مستمداً من ( الشرح الكبير ) لشمس الدين المقدسي ، ومن كتاب ( الإنصاف ) للقاضي المرداوي ، وليس له فيه ترجيح ولا دعوى اجتهاد ، والكتاب موجود في خزانة الكتب الخدوية 15 في مصر ، وليس له بعده سوى رسائل تشبه المكاتبات ، فيالله والإنصاف .

أما دعواك أنه كان يكفِّر جماعة من أكابر العلماء كالغزالي والشيخ الأكبر16 والبوصيري ، فهذا شيء لم نَرَه في كتبه ، وهَبْ أن الأمر كذلك في حق الأولين ، فتلك مناقشات تجري بين العلماء ولا يريدون بها إلا إظهار الحق ، وإن كنت في ريب من ذلك ، فانظر ما كتبه البقاعي صاحب (( التفسير ) )وغيره على كلمة الغزالي: (( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) )وما اعترض به الجمُّ الغفير من فطاحل العلماء على مقالات الشيخ الأكبر وما انتصر به محبوه له ، وهذا شأن العلماء ، فدخول المقصرين بينهم بمجرد الميل القلبي والمحبة دخول على حد المثل العامي (( جاء الأمراء يحدون خيلهم فمدت الخنفساء رجلها ) )، نعم ، لك في الدخول عذر وهو أنك رأيت العامة يميلون لهذين الرجلين فقصدت إلقاء عدواة الرجل في القلوب بسببهما ، مع أنه لم يناقشهما ولم يعترض لهما ، وإنما المعترض غيره .

وأما البوصيري فالمتكلم عليه غير ابن عبد الوهاب في رسالة صغيرة مطبوعة في تجمع رسائل بمبطع هندي ، وذلك الرجل لم يتكلم إلا على بيت واحد في البردة وهو قوله:

يا أكرم الخلق ما لي مَنْ ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

وخلاصة الاعتراض أنه ناقشه في بحث بياني فقال: إن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر 17 وهذا لا تنكره أنت ولا غيرك ، وإذا كان الأمر كذلك ، فالبوصيري حصر المطلوب في صلى الله عليه وسلم ،ولم يتجاوزه إلى الله جلَّ وعلا ، ومثل هذا ينكره السيد الأعظم r ، وما إخالك تسلم بأن يكون الله تعالى في مثل ذلك الوقت العظيم نسياً منسياً ، وإن كنت تحبُّ ذلك فلك رأيك .

وأما إيمائك بأنه اعترض على البوصيري في مدح صلى الله عليه وسلم فتلك مغالطة يُراد بها التمويه وتضليل الأفكار ، ومثل هذا يستحيل وقوعه من عاقل ، بعد أن مدحه الله تعالى في كتابه العزيز ، فالحذر من تفريق الكلمة بالمغالطات أيها الناصح الأمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت