وأما دعواك بأنه كان يصرح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة ويُكَفِّر كل من لا يتبعه ، ويثبت الإيمان لمن اتَّبعه ، وكان ينقص قدر صلى الله عليه وسلم بعبارات أُنَزِّه نفسي عن كتابتها ، وأنه كان يكره الصلاة على صلى الله عليه وسلم ، وأنه أحرق كثيراً من كتب أهل السنة والحديث ، إلى غير ذلك مما لا أريد أن يكتبه قلمي ، فبالله عليك تثبت في النقل وكن منصفاً خائفاً من الله عز وجل ، واعلم بأنك مُحَاسَب غداً على جميع ما يصدر عنك ، فإنّ الرجل قد قدم على ربِّه ولم نجد شيئاً من هذا في كتبه ، ولا أخبر به الثقات عنه ، وهؤلاء الذين تدَّعى أنهم من أتباعهم إذا خاطبت العامي منهم وجدته إما حافظاً لكتاب الله تعالى جميعه ، وإما حفاظاً لأكثره ، ولوجدته مستحضراً لكثير من الأحاديث المروية في الصحيحين وفي السنن ما لم يستحضره أكبر عالم في مسقط رأسك .
وإذا قابلت عامتهم بعامة بلادك لم يسعك إلا أن تنادي بأنهم علماء ، فأنصف من نفسك ولا تخطَّ بيدك إلا شيئاً يسرك في القيامة أن تراه ، وإذا نقبت عن خزائن الكتب في بلادهم وجدت أكثرها كتب الحديث الموثوق بها ، ووجدتها قد ضمَّت في بطونها تفاسير القرآن الكريم المبنية على الأثر كتفسير الطبري ، وما كان موجوداً قبل طبعه إلا في بلادهم 18 وكتفسير ابن كثير ذلك الحافظ المشهور وأمثال هذه النفائس .
ولو تأملت صلاتهم لوجدتهم يجعلون الصلاة على صلى الله عليه وسلم ركناً من أركان الصلاة في التشهد الأخير ، وغيرهم يجعلها سنة ، فكيف تدَّعي أنهم يكرهون الصلاة على صلى الله عليه وسلم ، بل قد قال كثير من علماء مذهبهم أن الصلاة على صلى الله عليه وسلم واجبة كلما ذكر .
أما إنه كان يمنع من زيارة الرسول ولا يأخذ بأقوال المجتهدين إلى آخر ما ادعيته فأظنك تصوَّرت رجلاً خياليّاً على سبيل التجريد ، ونسبت إليه ما قلت ، سامحك الله ، ألم أقل فيما سبق أنه له كتاباً في الفقه وأخبرتك عن محل وجوده ؟ فإن كنت تحب الحق فاكتب إلى مَنْ شئت يتصفح الكتاب ويخبرك هل يجد فيه شيئاً من ذلك ؟ على أن من ينكر أقوال المجتهدين لا يؤلف كتاباً في مذهب أحدهم ، ولكن بعض الناس أسراء لتقليد بعضهم بعضاً في النقل من غير تمحيص ، وإذا قام في ذهنهم بغض شخص نسبوا إليه كل نقيصة ، وألصقوا به كل افتراء ، وليس هذا من مذهب المسلمين ولا المسيحيين ولا موسويين ، على أننا لا ندَّعي العصمة للرجل ولا ندافع عنه ، وإنما قصدنا إظهار الحق ، وكل إنسان لا يخلو من هفوات ، ويأبى الله العصمة إلا لكتابه ، غير أن ا لافتراء شديد الوطأة على العقلاء ، وأكل لحوم الناس موتى نهى عنه الله تعالى في كتابه العزيز ، بل وأي مسلم يمنع من زيارة الرسول ، فاتق الله يا هذا واترك مسائل قد فرغ منها ودعنا من التُرَّهات والأباطيل.
من أنبأك أنه كان ينهى عن الدعاء بعد الصلاة ؟ وهب أن الأمر كان كذلك ، فأنت أقمت له العذر من نفسك وقلت أنه كان يقول: تطلبون أجراً على الصلاة ! فأقمته مقام العارفين بالله تعالى وأنت لا تشعر ، ولا يَعْزُب عن ذهنك أن هذا مقام يحوم حوله العارفون حتى نقل عن رابعة العدوية أنها كانت تقول: (( إلهي ، ما عبدت خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ، ولكن عبدتك ابتغاء وجهك الكريم ) )19 وقال تعالى:
(( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) ) ( البينة: 5) .
وإذا دققت أقوال الصوفية الحقيقيين تراهم يجعلون الصلاة لأجل الأجر شِركاً ، وأظن أنك كثيراً ما تذكر هذا في دروسك العامة ، فكيف تنكره على غيرك ؟ .
تدَّعي أنه كان يحقر الأئمة ويقول إن الشريعة واحدة ، فما بال هؤلاء جعلوها مذاهب أربعة ، فلو أصغيت لكلامك وتأملته لدخل ميدان قلبك شيء ، فأما دعوى التحقير فدعوى بلا دليل ، وأما كون الشريعة واحدة فهذا حق عند كل عاقل ، فاجعلها أنت متعددة ولك الخيار ، وأما ادعاء أن كل مذهب شريعة كما يلوح من خلال كلامك فذلك لا أصل له ، ومتى رأيت المذاهب يخالف بعضها بعضاً في الأصول ، أو رأيت أحد الأئمة يقول: الشريعة كذا وكذا ويخالفه الآخر ، وما الأئمة كلهم إلا يخدمون شريعة واحدة ، غاية ما اختلفوا فيه فروع اجتهادية ، هذا يقول: ظهر لي أن الحكم كذا ،وهذا يقول: ظهر لي أن الحكم على خلافه ، وما أحد منهم قال: إن مذهبي هو الشريعة ، وخالفه الآخر فقال: لا ، إن الشريعة هي مذهبي . معاذ الله أن يصدر منهم ذلك ، فأنت الذي حقرت الأئمة لا غيرك .
قال بعد أن وصف أكثر أهل جزيرة العرب بالجهل والجفاء وخشونة الطبع: اتفق لي أن مفتي تيمة وهو عبد الله بن خلف 20 طلب منه أن يقرأ عليه في النحو والصرف ، فكان يحضره مع صغار الطلبة ، وكذلك القاضي الشيخ عبد الله بن مرعي 21 قرأ عنده من الكتب العربية ما هو أدنى من كتاب القطر 22 إلى آخر ما أطال به .