فهرس الكتاب

الصفحة 18450 من 27364

أقول: واعجباً من هذا القياس ، أما ابن خلف فما أكثر المسميين بهذا الاسم في البلاد النجدية ، وهب أنه هو الذي عناه ، فما هو إلا رجل رماه الدهر بمن لا يحسن التعليم أياماً ، ثم لمَّا لم يجد نفعاً ترك القراءة ففتح الله عليه عند معلم آخر فليت شعري هل قراءة قطر الندى من الذنوب التي لا تغتفر ، أم قراءته من الأفعال التي يُعاب فاعلها ، وأما ابن مرعي فإنه دمشقي الأصل لا نجدي ، ولو سلمَّنا أن هذين من الأغبياء ، هل يُقاس عليهما كل نجدي ، وهل إذا رأينا عشرة من الأغبياء في الاسكندرية نجعل أهل الاسكندرية كلهم أغبياء ، والذي يظهر أن عدم استفادة المتعلم من المعلم يكون إما من عدم معرفة المعلم بذلك العلم ، وإما من عدم إخلاصه ، فتأمَّل ، لكن فات المصنف أن يتذكر قضاة القضوات في سوريا ومفاتيهم ، كذا ظهر لي والله أعلم .

إن المصنف للنفحة ناقض نفسه بنفسه فقال أولاً إن ابن عبد الوهاب لمَّا سوَّلت له نفسه أن يبتدع ديناً جديداً صنَّف رسالة فذكر أوصافها ، ثم قال: تقرأ هذه الرسالة فتراها مفعمة بالآيات القرآنية إلى آخر ما قاله ، فانظر التناقض فإن الذي يستدل بالآيات القرآنية لم يبتدع ديناً جديداً وإنما المبتدع لدين جديد هو من ينبذ القرآن ظهرياً ، ويجعل العادات والبدع ديناً .

وناقض نفسه ثانياً فإنه زَعَمَ أولاً بأن صاحب (( الكشف ) )23 كفَّر من يتوسَّل بالرسول عليه الصلاة والسلام 24 ، ثم قال: إن المسلم المتوسل بالرسول لم يعبده ، ولم يتخذه إلهاً .. إلى آخر كلامه ... فانظر إلى هذا التباين وأخبرني مَن الذي يكفر مَنْ يتوسل بالرسول على سبيل التبرك ؟ وهل ندد ابن عبد الوهاب وغيره من العلماء إلا بمن يلوح من فعله وخلال كلامه اعتقاد أن المتوسل به قادر على النفع والضر ، وأنه يغيث عند الشدائد ، ويفرج الكربات ، ويقضي الحوائج 25 ، ولو أنصفت من نفسك ودققت مقالات مَنْ يتكلم في هذا الموضوع لناديت بالإنصاف ملء فيك ، وعلمت أنهم لم يقولوا إلا طبق ما تعتقده في قلبك ، ولو تأملت ألفاظ كثير من العوام خالية عن نداء الله تعالى ، ومفعمة بنداء غيره ، لربما ساءك ذلك ، فبالله عليك هل كان الصحابة على ما بعض الناس عليه اليوم ؟ أم كان عليه التابعون أم الأئمة المجتهدون ؟ فإن جنحتم إلى تأويل ألفاظ العوام الذين لا يعرفون الحقيقة من المجاز ولا فهموا أن في الكلام محذوفاً في قولهم يا فلان ، بأن معناه يا رب فلان رددناه بأن العبرة في الأحكام باللفظ 26 ، ألا يرى أنه لو قال قائل لزوجته: أنت طالق ، ولمَّا دُعِيَ إلى الحاكم لإثبات الطلاق عليه قال: أردت في نفسي إن صعدت إلى السماء ، هل يقبل منه ذلك حكماً ، كذلك من قال عند القيام أو غيره: يا فلان ، لم يقصد سوى أنه ناداه ليعينه ، ولو فرضنا أنه حين ناداه يعلم بأنه لا ينفع ولا يضر ، أليس مقاصد القوم أن يجعلوا العوام معلقين ثقتهم بالله تعالى ، وأن يُعَوّدوا لسانهم على ندائه خوفاً من أن يتسرب إليهم ما تسرب إلى الأمم قبلهم .

ومن قواعد الشرع منع الوسائل خوف الوقوع في المقاصد ، فمنع من مغازلة الأجنبية خوف الوقوع في الزنا ، لأن المغازلة سبب له ، إلى غير ذلك مما هو معلوم ، فتأمل وأنصف . ثم إن صاحب النفحة حكى كلاماً طويلاً أجاد فيه ، ولكنه في آخر الأمر جرَّته الحمية إلى أن نسب لجماعة من المسلمين أنهم يعتقدون بأن الله جسم ، فوقع في أعظم مما وقع به ابن عبد الوهاب ؛ لأنه إن كان قال ذلك بأنهم قالوا هذا القول بطريق الدلالة الالتزامية واعتبرها مقبولة ، فيُقال مثلها في حق من دافع عنهم بأن فعلهم يدل على الشرك بطريق الدلالة الالتزامية ، ونحن لا نوافقه على ذلك على أنه لم يبلغنا أن المشركين اعتقدوا أن الله تعالى جسم ، فضلاً عن المؤمنين ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وإن قال ذلك نقلاً عن عقائدهم وكتبهم فليُبيّن لنا النقل ، ثم أتى بالطامة فقال: ( نعم إن الوهابية لمَّا اعتقدوا أن الله جسم استوى على عرشه في السماء لم تجد للتبرك الذي يقصده المسلمون بتوسلهم معنى غير التقرب الذي يكون للأجسام ) ) .

أقول: كأنه لم يقرأ قوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) ( طه: 5) .

حتى قال: إن الوهابية نسبوا هذه الصفة لله تعالى ، فاعترض بأنه يلزم من الاستواء الجسمية ، وحيث إن دلالة الالتزام معتبرة عنده في الاعتقاد ، يكون قد نسب القول بالجسمية إلى سائر السلف حتى إلى الصحابة والتابعين والأئمة رضوان الله عليهم ، بل وإلى الإمام الأشعري ، فإن ذلك الإمام صنَّف آخر أمره كتاباً سمَّاه (( الإبانة ) )بيَّن فيه عقيدته ، والكتاب طبع في مطبع الهند ونقل معظمه الحافظ ابن عساكر في كتابه (( الانتصار ) )27 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت