فهرس الكتاب
وقد كان الإمام أبو إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني من أعيان أهل الأثر بخراسان ، قلَّما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب (( الإنابة ) )لأبي الحسن ، ويظهر الإعجاب به ، ويقول: ماذا الذي ينكر علي من هذا الكتاب شرح مذهبه ؟ )) .
ثم قال ابن عساكر: (( ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عينهم في أصول الدين مختلفين ، بل نراهم في القول بتوحيد الله وتنزيهه في ذاته وصفاته مؤتلفين ، وعلى نفي التشبيه عن القديم سبحانه مجتمعين ، والأشعري رحمه الله تعالى في الأصول على مناهجهم أجمعين ) )هذا كلام ابن عساكر ، وهذه عقيدة الأشعري إمام أهل السنة ، فيمكنك أن تنسب إليه التجسيم من لازم مذهبه ، وهذا كتاب الله تعالى قد نصَّ على الاستواء فقال: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) ) ( البقرة: 29) .
(( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) ) (الأعراف: 54)
(( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) ) ( يونس: 3) .
(( تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) ( طه: 4-5) .
وقال: (( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ) ) ( الفرقان: 59) .
وقال: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) ( الحديد: 4) .
وقال أبو الحسن الأشعري محتجّاً على الجهمية بقوله تعالى حاكياً عن فرعون قوله: (( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً ) ) (غافر: 36-37) .
لمَّا قال موسى: إن الله فوق سمواته أنكر فرعون ذلك ، وقال ما قال: نقل ذلك عنه (( الجيوش الإسلامية ) )29 .
فالذين ينكرون ما جاء به القرآن الكريم من صفة الاستواء إنما حذوا حذو فرعون في التكذيب ، وما أرى صاحب النفحة إلا معتزليّاً ، يتزيا بزي أهل السنة ليروج مذهبهم ، لكنه مقلِّد لهم غير متقن لقواعدهم ، وأما الأحاديث الواردة في ذلك فمنها قصة المعراج ، وهي متواترة ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ، ويقول: أن الملك أين ملوك الأرض ) )إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الصحاح ، ومصداق هذا الحديث قوله تعالى: (( وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) ) ( الزمر: 67) .
وقال البخاري: قال أبو العالية: (( اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ) )ارتفع ، قال العلامة محمود العيني الحنفي في (( شرح البخاري ) )30: (( اختلف العلماء في معنى الاستواء ، فقالت المعتزلة: هو بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة كما في قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
بمعنى قهر وغلب ، وأنُكر عليهم بأنه لا يُقال استولى إلا إذا لم يكن مستولياً ثم استولى ، والله عز وجل لم يزل مستولياً قاهراً غالباً ، وقال أبو العالية: معنى استولى ارتفع ، وفيه نظر 31 ؛ لأنه لم يصف به نفسه - إلى أن قال -: والصحيح تفسير استوى بمعنى علا على العرش كما قاله مجاهد ، قال: وهو المذهب الحق وقول معظم أهل السنة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالعلي ، واختلف أهل السنة هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل ؟ فمن قال:: معناه علا ، قال:هي صفة ذات ،
ومن قال غير ذلك قال: هي صفة فعل )) 32 . هذا كلامه ، وحيث إن صاحب النفحة يدَّعي الانتساب للشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ، كان عليه أن يتصفح كتاب (( الغنية ) )فإنه يجد الشيخ أثرياً بحتاً جنبليّاً على مذهب السلف في الاعتقاد ، فما أبشع ذلك العقوق إن صحَّت النسبة ، ومن كان في ريب من ذلك فليُطالع كتاب (( العلو للعلي العظيم ) )للحافظ الذهبي ، وكتاب (( الأسماء والصفات ) )للبيهقي ، بل عليه بكتاب الله وسنة نبيه ، وإطالة البحث لا تليق بهذا المكان خوفاً من التشويش على العوام .
لكننا نقول: روى اللالكائي في السنة عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: في قوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )